Книга чувств
كتاب المشاعر
Редактор
مقدمة هنري كربين خريج جامعة السوربون / ترجمة المقدمة : ابتسام الحموي / تعليق وتصحيح : الدكتورة فاتن محمد خليل اللبون
Издание
الأولى
Год публикации
1420 - 2000م
بسم الله الرحمن الرحيم [مقدمة المؤلف] (1) نحمد الله ونستعين بقوته التي أقام بها ملكوت الأرض والسماء وبكلمته التي أنشأ بها نشأتي الآخرة والأولى على تهذيب القوى القابلة للاستكمال وإصلاح العقول المنفعلة عن المعاني والأحوال للاتصال بالعقل الفعال وطرد شياطين الأوهام المضلة بأنوار البراهين وقمع أعداء الحكمة واليقين إلى مهوى المبعدين ومثوى المتكبرين. ونصلي على محمد المبعوث بكتاب الله ونوره المنزل معه على كافة الخلق أجمعين وآله وأولاده المطهرين عن أرجاس الطبيعة المقدسين عن ظلمات الوهم بأنوار الحق واليقين. اللهم صل وسلم عليه وعليهم وعلى جميع من سلك سبيلهم واقتفى دليلهم من شيعتهم المتقين.
(2) أما بعد: فأقل الخلائق قدرا وجرما وأكثرهم خطاء وجرما محمد المشتهر بصدر الدين الشيرازي يقول: أيها الإخوان السالكون إلى الله بنور العرفان! استمعوا باستماع قلوبكم مقالتي لينفذ في بواطنكم نور حكمتي.
وأطيعوا كلمتي وخذوا عني مناسك طريقتي من الإيمان بالله واليوم الآخر إيمانا حقيقيا حاصلا للأنفس العلامة بالبراهين اليقينية والآيات الإلهية كما أشار إليه سبحانه في قوله والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وقوله ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا. وهذه هي الحكمة الممنون بها على أهلها والمضنون
Страница 51
بها على غير أهلها وهي بعينها العلم بالله من جهة ذاته المشار إليه بقوله أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد. والعلم به من جهة العلم بالآفاق والأنفس المشار إليه بقوله سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. فالعلوم الإلهية هي عين الإيمان بالله وصفاته والعلوم الآفاقية والأنفسية من آيات العلم بالله وملكوته وكتبه ورسله وشواهد العلم باليوم الآخر وأحواله والقبر والبعث والسؤال والكتاب والحساب والصراط والوقوف بين يدي الله والجنة والنار. وهي ليست من المجادلات الكلامية ولا من التقليدات العامية ولا من الفلسفة البحثية المذمومة ولا من التخيلات الصوفية بل هي من نتائج التدبر في آيات الله والتفكر في ملكوت سماواته وأرضه مع انقطاع شديد عما أكب عليه طباع أهل المجادلة والجماهير ورفض تام لما استحسنه قلوب المشاهير.
(3) ولقد قدمت إليكم يا إخواني في كتبي ورسائلي من أنوار الحكم ولطائف النعم وزهر الأرواح وزينة العقول مقدمات ذوات فضائل جمة هي مناهج السلوك إلى منازل الهدى ومعارج الارتقاء إلى الشرف الأعلى من علوم القرآن والتأويل ومعاني الوحي والتنزيل مما خطه القلم العظيم في اللوح الكريم وقرأه من ألهمه الله قراءته وكلمه بكلماته وعلمه محكم آياته مما نزل به الروح الأمين على قلب من اصطفاه الله وهداه فجعله أولا خليفة في العالم الأرضي وزينة للملكوت السفلي. ثم جعله أهلا لعالمه العلوي وملكا في ملكوته السماوي. فكل من تنور بيت قلبه بهذه الأنوار ارتقى روحه إلى تلك الدار. ومن جحدها أو كفرها فقد أهوى إلى مهبط الأشرار ومهوى الشياطين والفجار ومثوى المتكبرين وأصحاب النار.
(4) ولما كانت مسألة الوجود أس القواعد الحكمية ومبنى المسائل الإلهية والقطب الذي يدور عليه رحى علم التوحيد وعلم المعاد وحشر الأرواح والأجساد وكثير مما تفردنا باستنباطه وتوحدنا باستخراجه فمن
Страница 52
جهل بمعرفة الوجود يسري جهله في أمهات المطالب ومعظماتها وبالذهول عنها فاتت عنه خفيات المعارف وخبيئاتها وعلم الربوبيات ونبواتها ومعرفة النفس واتصالاتها ورجوعها إلى مبدأ مبادئها وغاياتها فرأينا أن نفتح بها الكلام في هذه الرسالة المعمولة في أصول حقائق الإيمان وقواعد الحكمة والعرفان.
فنورد فيها أولا مباحث الوجود وإثبات أنه الأصل الثابت في كل موجود وهو الحقيقة وما عداه كعكس وظل وشبح. ثم نذكر هاهنا قواعد لطيفة ومباحث شريفة سنحت لنا بفضل الله وإلهامه مما يتوقف عليه معرفة المبدأ والمعاد وعلم النفس وحشرها إلى الأرواح والأجساد وعلم النبوات والولايات وسر نزول الوحي والآيات وعلم الملائكة وإلهاماتها وعلاماتها والشياطين ووساوسها وشبهاتها وإثبات عالم القبر والبرزخ وكيفية علم الله تعالى بالكليات والجزئيات ومعرفة القضاء والقدر والقلم واللوح وإثبات المثل النورية الأفلاطونية ومسألة اتحاد العقل بالمعقولات واتحاد الحس بالمحسوسات ومسألة أن البسيط كالعقل وما فوقه كل الموجودات وأن الوجود كله مع تباين أنواعه وأفراد ماهيته وتخالف أجناسه وفصوله حدا وحقيقة جوهر واحد له هوية واحدة ذات مقامات ودرجات عالية ونازلة إلى غير ذلك من المسائل التي توحدنا باستخراجها وتفردنا باستنباطها مما فرقناها في الكتب والرسائل تقربا إلى الله وتوسلا إلى مبدأ المبادي وأول الأوائل وعلومنا هذه ليست من المجادلات الكلامية ولا من التقليدات العامية ولا من الأنظار الحكمية البحثية والمغالطات السفسطية ولا من التخيلات الصوفية بل هي من البرهانات الكشفية التي شهد بصحتها كتاب الله وسنة نبيه وأحاديث أهل بيت النبوة والولاية والحكمة سلام الله عليه وعليهم أجمعين وجعلت الرسالة منطوية على فاتحة وموقفين وكل منهما مشتمل على مشاعر وسميتها بها لمناسبة بين الفحوى والظاهر والعلن والسر.
فنقول مستعينا بالله مستمدا من أهل ملكوته:
Страница 53
الفاتحة في تحقيق مفهوم الوجود وأحكامه وإثبات حقيقته وأحواله وفيه مشاعر
Страница 55
المشعر الأول في بيان أنه غني عن التعريف (5) أنية الوجود أجلى الأشياء حضورا وكشفا وماهيته أخفاها تصورا واكتناها ومفهومه أغنى الأشياء عن التعريف ظهورا ووضوحا وأعمها شمولا. وهويته أخص الخواص تعينا وتشخصا إذ به يتشخص كل متشخص ويتحصل كل متحصل ويتعين كل متعين ومتخصص وهو متشخص بذاته ومتعين بنفسه كما ستعلم.
(6) وأما أنه لا يمكن تعريفه فلأن التعريف إما أن يكون بحد أو برسم. ولا يمكن تعريفه بالحد حيث لا جنس له ولا فصل له فلا حد له. ولا بالرسم إذ لا يمكن إدراكه بما هو أظهر منه وأشهر ولا بصورة مساوية له.
(7) فمن رام تعريفه فقد أخطأ إذ قد عرفه بما هو أخفى منه. اللهم إلا أن يريد تنبيها وإخطارا بالبال وبالجملة تعريفا لفظيا.
(8) ولأني أقول إن تصور الشيء مطلقا عبارة عن حصول معناه في النفس مطابقا لما في العين. وهذا يجري في ما عدا الوجود من المعاني والماهيات الكلية التي توجد تارة بوجود عيني أصيل وتارة بوجود ذهني ظلي مع انحفاظ ذاتها في كلا الوجودين وليس للوجود وجود آخر يتبدل عليه مع انحفاظ معناه خارجا وذهنا.
(9) فليس لكل حقيقة وجودية إلا نحو واحد من الحصول.
فليس للوجود وجود ذهني وما ليس له وجود ذهني فليس بكلي ولا جزئي ولا عام ولا خاص .
Страница 57
(10) فهو في ذاته أمر بسيط متشخص بذاته لا جنس له ولا فصل له ولا هو أيضا جنس لشيء ولا فصل له ولا نوع ولا عرض عام ولا خاصة. وأما الذي يقال له عرضي للموجودات من المعنى الانتزاعي الذهني فليس هو حقيقة الوجود بل هو معنى ذهني من المعقولات الثانية كالشيئية والممكنية والجوهرية والعرضية والإنسانية والسوادية وسائر الانتزاعيات المصدرية التي يقع بها الحكاية عن الأشياء الحقيقية أو غير الحقيقية. وكلامنا ليس فيه بل المحكي عنه وهو حقيقة واحدة بسيطة لا يفتقر أصلا في تحققه وتحصله إلى ضميمة قيد فصلي أو عرضي صنفي أو شخصي.
(11) بل قد يلزمه هذه الأشياء بحسب ما يتحصل به ويوجد من المعاني والماهيات إذ كل وجود سوى الوجود الأول البسيط الذي هو نور الأنوار يلزمه ماهية كلية إمكانية تتصف بهذه الأوصاف باعتبار حصولها في الأذهان فيصير جنسا أو فصلا أو ذاتيا أو عرضيا أو حدا أو رسما أو غير ذلك من صفات المفهومات الكلية دون الوجود إلا بالعرض.
Страница 58
المشعر الثاني في كيفية شموله للأشياء (12) شمول حقيقة الوجود للأشياء الموجودة ليس كشمول معنى الكلي للجزئيات وصدقه عليها كما نبهناك عليه من أن حقيقة الوجود ليست جنسا ولا نوعا ولا عرضا إذ ليست كليا. طبيعيا بل شموله ضرب آخر من الشمول لا يعرفه إلا العرفاء الراسخون في العلم. وقد عبروا عنه تارة ب النفس الرحماني وتارة بالرحمة التي وسعت كل شيء أو ب الحق المخلوق به عند طائفة من العرفاء وبانبساط نور الوجود على هياكل الممكنات وقوابل الماهيات ونزوله في منازل الهويات.
(13) وستعلم معنى هذا الكلام من أن الوجود مع كونه أمرا شخصيا متشخصا بذاته متعينا بنفسه مشخصا لما يوجد به من ذوات الماهيات الكلية كيف يتحد بها ويصدق هي عليه في الخارج ويعرض مفهومه عليها عروضا في الذهن بحسب التحليل العقلي.
(14) ويظهر لك أيضا أنه كيف يصدق القول بكون حقيقة الوجود مع كونها متشخصة بذاتها أنها مختلفة الحقائق بحسب اختلاف الماهيات الإمكانية المتحدة كل منها بدرجة من درجاته ومرتبة من مراتبه سوى الوجود الحق الأول الذي لا ماهية له لأنه صريح الوجود الذي لا أتم منه ولا أشد قوة وكمالا ولا يشوبه عموم وخصوص ولا يحده حد ولا يضبطه اسم ورسم ولا يحيط به علم وعنت الوجوه للحي القيوم.
Страница 59
المشعر الثالث في تحقيق الوجود عينا (15) اعلم أيدك الله تعالى بنوره أن الوجود أحق الأشياء بأن يكون ذا حقيقة موجودة وعليه شواهد قطعية.
الشاهد الأول (16) أن حقيقة كل شيء هو وجوده الذي يترتب به عليه آثاره وأحكامه. فالوجود إذن أحق الأشياء بأن يكون ذا حقيقة إذ غيره به يصير ذا حقيقة فهو حقيقة كل ذي حقيقة ولا يحتاج هو في أن يكون ذا حقيقة إلى حقيقة أخرى. فهو بنفسه في الأعيان وغيره أعني الماهيات به في الأعيان لا بنفسها.
(17) نريد به أن كل مفهوم كالإنسان مثلا إذا قلنا إنه ذو حقيقة أو ذو وجود كان معناه أن في الخارج شيئا يقال عليه ويصدق عليه أنه إنسان. وكذا الفرس والفلك والماء والنار وسائر العنوانات. والمفهومات التي لها أفراد خارجية هي عنوانات صادقة عليها. ومعنى كونها متحققة أو ذات حقيقة أن مفهوماتها صادقة على شيء صدقا بالذات والقضايا المعقودة كهذا إنسان وذاك فرس ضروريات ذاتية. فهكذا حكم مفهوم الحقيقة. والوجود ومرادفاته لا بد وأن يكون عنوانه صادقا على شيء حتى يقال على شيء إن هذا حقيقة كذا صدقا بالذات وتكون القضية المعقودة هاهنا ضرورية ذاتية أو ضرورية أزلية.
(18) لست أقول إن مفهوم الحقيقة أو الوجود الذي هو بديهي التصور يصدق عليه أنه حقيقة أو وجود حملا متعارفا إذ صدق كل عنوان
Страница 60
على نفسه لا يلزم أن يكون بطريق الحمل المتعارف بل حملا أوليا غير متعارف.
(19) بل إنما أقول إن الشيء الذي يكون انضمامه مع الماهية أو اعتباره معها مناط كونها ذات حقيقة يجب أن يصدق عليه مفهوم الحقيقة أو الموجودية. فالوجود يجب أن يكون له مصداق في الخارج يحمل عليه هذا العنوان بالذات حملا شايعا متعارفا. وكل عنوان يصدق على شيء في الخارج فذلك الشيء فرده وذلك العنوان متحقق فيه. فيكون لمفهوم الوجود فرد في الخارج فله صورة عينية خارجية مع قطع النظر عن اعتبار العقل وملاحظة الذهن. فيكون الوجود موجودا في الواقع وموجوديته في الخارج أنه بنفسه واقع في الخارج كما أن زيدا مثلا إنسان في الواقع وكون زيد إنسانا في الواقع عبارة عن موجوديته. فكذا كون هذا الوجود في الواقع عبارة عن كونه بنفسه وجودا وكون غيره به موجودا لا أن للوجود وجودا آخر زائدا عليه عارضا له بنحو من العروض ولو بالاعتبار كما في العوارض التحليلية بخلاف الماهية كالإنسان. فإن معنى كونه موجودا أن شيئا في الخارج هو إنسان لا أن شيئا في الخارج هو وجود. ومعنى كون الوجود موجودا أن شيئا في الخارج هو وجود وهو حقيقة.
(20) واعلم أن كل موجود في الخارج غير الوجود ففيه شوب تركيب ولو عقلا بخلاف صرف الوجود. ولأجل هذا قال الحكماء:
كل ممكن أي كل ذي ماهية زوج تركيبي فليس شيء من الماهيات بسيط الحقيقة. وبالجملة الوجود موجود بذاته لا بغيره. وبهذا تدفع المحذورات المذكورة في كون الوجود موجودا. وأما الأمر الانتزاعي العقلي من الوجود فهو كسائر الأمور العامة والمفهومات الذهنية كالشيئية والماهية والممكنية ونظائرها إلا أن ما بإزاء هذا المفهوم أمور متأصلة في التحقق والثبوت بخلاف الشيئية والماهية وغيرهما من المفهومات.
Страница 61
(21) واعلم أن للوجودات حقائق خارجية لكنها مجهولة الأسامي. شرح أسمائها أنها وجود كذا ووجود كذا. ثم يلزم الجميع في الذهن الأمر العام. وأقسام الشيء والماهية معلومة الأسامي والخواص. والوجود الحقيقي لكل شيء من الأشياء لا يمكن التعبير عنه باسم ونعت إذ وضع الأسماء والنعوت إنما يكون بإزاء المفهومات والمعاني الكلية لا بإزاء الهويات الوجودية والصور العينية.
الشاهد الثاني (22) إن من البين الواضح أن المراد بالخارج والذهن في قولنا هذا موجود في الخارج وذاك موجود في الذهن ليسا من قبيل الظروف والأمكنة ولا المحال بل المعنى بكون الشيء في الخارج أن له وجودا يترتب عليه آثاره وأحكامه وبكونه في الذهن أنه بخلاف ذلك. فلو لم يكن للوجود حقيقة إلا مجرد تحصل الماهية لم يكن حينئذ فرق بين الخارج والذهن وهو محال إذ الماهية قد تكون متحصلة ذهنا وليست بموجودة في الخارج.
الشاهد الثالث (23) إنه لو كانت موجودية الأشياء بنفس ماهياتها لا بأمر آخر لامتنع حمل بعضها على بعض والحكم بشيء منها على شيء كقولنا زيد حيوان والإنسان ماش لأن مفاد الحمل ومصداقه هو الاتحاد بين مفهومين متغايرين في الوجود وكذا الحكم بشيء على شيء عبارة عن اتحادهما وجودا وتغايرهما مفهوما وماهية وما به المغايرة غير ما به الاتحاد. وإلى هذا يرجع ما قيل إن الحمل يقتضي الاتحاد في الخارج والمغايرة في الذهن. فلو لم يكن الوجود شيئا غير الماهية لم تكن جهة الاتحاد مخالفة لجهة المغايرة. واللازم باطل كما مر فالملزوم مثله. بيان الملازمة أن صحة الحمل مبناه على وحدة ما وتغاير ما إذ لو كان هناك وحدة محضة لم يكن حمل ولو كان كثرة محضة لم يكن حمل. فلو كان الوجود أمرا انتزاعيا يكون وحدته
Страница 62