وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم [البقرة: 49].
وفرعون هو الذي يقول مأخوذا بما قال:
سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون [الأعراف: 127].
فتلك إذن شريعة الواجب تفرض للمرأة من حق المعيشة وحق الرعاية، ما فرضته للرجل وللإنسان على الإجمال. وإنه لجدير بالالتفات أن «الإنسان» هو الموصى في القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين؛ لأن الرجل هنا ينطوي في نوع الإنسان، وينبغي أن ينسى أنه أحد الجنسين المختلفين. •••
على أن الآية الكبرى في وصاية القرآن بالأنثى أنها وصاية وجبت دون أن يوجبها عمل من النساء، ولا عمل من المجتمع، وأنها فرضت على المجتمع برجاله ونسائه فرضا لم يطلبه هؤلاء أو هؤلاء، وتلك وصاية لم يحدث لها نظير قط فيما تقدم من الشرائع قبل دعوة الإسلام.
إن تخويل البنت حقها من الميراث عند انقطاع الذرية من الأبناء - كما وجب في شريعة التوراة - إنما هو حكم من أحكام الضرورة لا منصرف عنه لو شاء ولاة الأمر أن يصرفوه إلى غير هذا الوجه المحتوم، وقد سمح به للمرأة - مع هذا - على شرط يقيد الحق ويخضعه للحجر عليه. فلا تتزوج المرأة صاحبة الميراث من غير رجال الأسرة، ولا تلبث أن تأخذ حصتها من هنا حتى تردها في بيتها إلى رجل من الرجال. فالميراث هنا حق لم تنله المرأة، ولم ينلها المجتمع إياه، ولا محل فيه من عمل الشريعة، إلا أنه عمل الضرورة الذي لا حيلة فيه.
وقد يكون للمجتمع عمل قضت به أحوال المعيشة في الحضارة الوحيدة التي بوأت المرأة من الرعاية، وهي الحضارة المصرية القديمة. ولكنه كذلك مما يئول إلى حكم الضرورة التي تسلسلت في أدوار التاريخ دورا بعد دور.
ومن ضرورات هذه الأدوار التاريخية أن تحتفظ الأسرة الحاكمة بالعرش أيا كان الوريث من الذكور أو الإناث، ومن ضروراتها أن الأرض المزروعة تملك وتوزع على الدوام بعد فيضان النيل، ولا تخرج من نطاق الأسرة التي تملكها عاما بعد عام.
ومن ضروراتها أن تقسيم العمل بين الجنسين في غير مسائل الحرب تدبير لا محيص عنه في بلاد الزراعة العريقة، فلا يتأتى للرجال منفردين أن يضطلعوا بجميع تلك الأعمال. وكل داع من هذه الدواعي الاجتماعية قد تفردت مصر به على حالة لم تعهد في غيرها من بلاد الحضارات القديمة، فكان لها جميعا أثرها في رعاية المرأة وتخويلها ما تميزت به ربة الأسرة المصرية من الحقوق.
وفي كلتا الشريعتين وجب للمرأة حقها الكثير أو القليل بحكم الضرورة التي لا منصرف عنها، ولكن الوصايا القرآنية لم تكن لها قط ضرورة ملزمة من عمل النساء ولا من عمل المجتمع ولم تطالب بها المرأة، ولا اختارها الرجل لسائر النساء ولا لأقربهن إليه.
Неизвестная страница