586
نعم إنهم أنانيون. ولكن أصحاب العواطف اللينة أنانيون أيضًا كما رأيت. فالفريقان يتفاوتان في نوع الأنانية لا في عنصرها.
فإذا كنتم تدعونهم أشرارًا وتدعون الرحماء أخيارًا. فإن لهم أن يعكسوا الحكم ثم لا نراهم قد اعتمدوا على حجة أوهن من حجتكم حينئذٍ.
* * *
كبرياء الهمج - الهمجي لا يفزع من أمر فزعه من أن يصبح يومًا ما موضعًا للرأفة. لأنه يرى نفسه في هذه الحالة خلوا من كل معاني الشرف والفضيلة: فإن الرأفة عنده مرادفة لمعنى الازدراء. ولا يروق الهمجي أن يرى كائنًا حقيرًا يتوجع أمامه لأن هذه المناظر لا تستخفه ولا تحرك سروره وغبطته. بل هو يسر ويغتبط إذا كان له عدو مثله في الشمم والأنفة. ثم رآه يتعذب ولا يتذمر ويبيت من الشدة على أحر من الجمر فلا يتأفف أو يتململ: ويعجبه أن يرى الرجل متماسك البأس يأبى أن ينزل عن كبريائه وينغض من جبينه ليتلمس الشفقة في حضيض المهانة. فهنالك يشعر بالسرور التام والغبطة جد الغبطة.
هذا العدو الذي لا تكسر الشدائد كبرياءه ولا تلوي العواصف إباءه يبعث في نفس الهمجي إعجابًا عميقًا به: فينحى عليه بمديته أو حسامه ثم يشيعه إلى اللحد بما ينبغي لمثله من الرفعة والتكريم.
فأما إذا أن وتلاشى عزمه: وفارقت سيما العظمة جبينه: فقد يسمح له أن يعيش عيشة الكلاب: ويمر به خصماؤه فلا تذكو فيهم عاطفة الكبرياء: وإنما تحل الرأفة به محل الإعجاب.
* * *
نضوج قبل الأوان - قد نرى على وجه لا يخلو من الغموض أن هؤلاء الذين لا يدينون بمبادئ الأخلاق وأحكام الشرائع، هم قوم خطت غرائزهم الخطوات الأولى في سبيل تكوين أنفسهم ووضع نموذج للحق حسب ما يعن لهم ومنهم المجرمون والزنادقة والفاسقون وأهل المكر والبهتان وأمثالهم ممن عاشوا فوق حكم القانون، وسلكوا في ظل ضمير خرب فاسدين مفسدين.
وعلى الجملة يجب أن ننظر إلى هذا الأمر بعين الرضى ونعده حقًا وصوابًا وإن كان ذلك

10 / 31