Журнал Баян
مجلة البيان
الفجر
ذاع ذكر نيتشه في السنوات الأخيرة ولج الكتاب في أمره فمن قائل أنه أكبر فيلسوف ظهر في القرن التاسع عشر بل والقرن العشرين، ومن قائل أنه رجل متهوس مجنون هام بالتنويه عن نفسه فنجح بعض النجاح.
والمصريون لا يعلمون إلا قليلًا عن نيتشه وترجمة حياته وتفصيل مذهبه، وليس هذا مجال التبسط في ترجمته أو درس آرائه. ولكننا نطيف بشيء منها إطافة على قدر ما يسع المقام.
فردريك ويلهلم نيتشه من أسرة بولونية هاجرت من موطنها إلى روكين بألمانيا في القرن الثامن عشر، فرارًا من الاضطهاد الذي نزل بالبروتستانت هناك أما أبوه فقسيس قرية روكين (بالقرب من ليبزج). وقد ولد صاحب الترجمة في ١٥ أكتوبر سنة ١٨٤٤ وتلقى دروسه الأولى في شلفورته ثم حضر دروس الأدب في جامعتي بون وليبزج. واستمر على ذلك حتى عين في سنة ١٨٦٩ أستاذًا مساعدًا لعلم اللغات بجامعة بال. ولم يحصل بعد على شهادته النهائية. والفضل في ذلك راجع إلى وساطة بعض أصحاب النفوذ. ثم لم يلبث أن عين أستاذًا بتلك الجامعة.
وفي سنة ١٨٧٩ أصيب بوجع في عينه من تأثير اضطراب ألم بدماغه، فترك وظيفته وجعل ينتقل من بلد إلى بلد وهو يقاسي أشد الآلام والأوجاع. حتى قال إن بين أيام السنة مائتي يوم لا تطلع علي بغير العذاب وقد كتب أكثر مؤلفاته ونشر مبادئ فلسفته وهذه الآلام متسلطة على فكره، فكان أثر السخط والقلق والاضطراب باديًا على كل حرف من حروفها. وما زال كذلك حتى اعترته لوثة جنون سنة ١٨٨٨ وبقي مجنونًا إلى أن مات في ٢٥ أغسطس سنة ١٩٠٠ فهو كما يرى القراء من أبناء عصرنا.
ولا يقال أن لنيتشه فلسفة مبوبة أو مبدأ مشروحًا فإن أكثر مؤلفاته نتف متفرقة تتناول أغراضًا شتى كلها تسفيه وحنق على آداب العصر وأديانه وأخلاقه ونظام الأمم والحكومات، وطعن عنيف في هزوم المجتمع لم يسلم منه مبدأ من المبادئ الفلسفية المعروفة، ولا فيلسوف من فلاسفة القدماء، أو المحدثين، وله شعر غاية في سمو الخيال واتساع التصور ولكنه يمج مرارة البغض والكراهة لكل ما هو من نوع الإنسان.
وكأني بالقارئ يقول: ما لنا ولهذا المجنون؟؟ ألا يغنينا جنونه الظاهر عن نقد آرائه وتتبع أقواله؟؟
10 / 23