Идеальный город на протяжении истории
المدينة الفاضلة عبر التاريخ
Жанры
وأول شيء أثار دهشة جوليان وست، الذي ظل رأسه مزدحما بأخبار الإضراب والإغلاق والمقاطعة، هو أن مشكلة العمل اختفت من المجتمع الجديد، وأنه لم يعد هناك وجود لأصحاب عمل ولا عمال. ويشرح له الدكتور ليت كيف قامت في بداية القرن العشرين ثورة اجتماعية سلمية فيقول: «إن الاتجاه إلى تحريك دولاب العمل عن طريق التراكم المتعاظم لرأس المال وإلى الاحتكارات التي قاومها الكثيرون بشكل يائس وبلا جدوى، قد تم الاعتراف أخيرا بمعناه الحقيقي، بوصفه عملية لا تحتاج إلا استكمال تطورها المنطقي، كي تفتح للبشرية أبواب مستقبل ذهبي.
وقد اكتمل هذا التطور في وقت مبكر من القرن الماضي عن طريق الإدماج النهائي لرأس مال الأمة برمته. وتوقفت إدارة صناعة البلاد وتجارتها من خلال الاتحادات غير المسئولة والنقابات الخاصة التي يستغلها الأشخاص على هواهم بغرض الربح، وعهد بها إلى نقابة واحدة تمثل الشعب وتدار للمصلحة العامة والربح العام. ونظمت شئون الأمة بحيث أصبحت هي مؤسسة العمل الكبرى التي تستوعب جميع المؤسسات الأخرى، وصارت هي الرأسمالي الوحيد الذي حل محل بقية الرأسماليين، وصاحب العمل الوحيد والمحتكر النهائي - الذي ابتلع كل المحتكرين السابقين والأقل منه - ووضع في يده الأرباح والمدخرات التي يشارك فيها جميع المواطنين. وباختصار، قرر أخيرا شعب الولايات المتحدة الموافقة على النهوض بإدارة أعماله، تماما كما قرر قبل ذلك بمائة عام النهوض بإدارة حكومته، بحيث أصبح الآن ينظم كل شيء للأغراض الصناعية على نفس الأسس التي كان ينظمه بها للأغراض السياسية ...
وعندما أصبحت الأمة هي صاحب العمل الوحيد، صار جميع المواطنين عمالا بحكم مواطنتهم، وتم توزيعهم وفق احتياجات الصناعة ... وكان الشعب قد تعود بالفعل على أن إلزام كل مواطن - غير عاجز من الناحية الجسمانية - بالخدمة العسكرية للدفاع عن الأمة هو إلزام مطلق ويسري على الجميع بالتساوي. كذلك اتضح للجميع أن على كل مواطن أن يشارك بنصيبه في الخدمات الصناعية أو الخدمات العقلية للحفاظ على حياة الأمة، على الرغم من أن المواطنين لم يستطيعوا أداء هذا النوع من الخدمات بأي قدر من الشمول أو العدالة، إلا بعد أن أصبحت الأمة هي صاحبة العمل الوحيد.»
ويتم تجنيد المواطن لأحد أعمال الخدمة العامة بدءا من انتهاء تعليمه في الواحد والعشرين حتى بلوغه الخامسة والأربعين من عمره. وكل مواطن حر في اختيار الوظيفة التي تتفق مع ذوقه وقدراته، إلا إذا توافر عدد كبير جدا من المتطوعين لسد احتياجات فرع معين من فروع الصناعة، وفي هذه الحالة يتم قبول أنسبهم لهذه الوظيفة. ويبذل جهد كبير لجعل كل الوظائف جذابة بشكل متساو: «إن مهمة الإدارة هي السعي الدائم لجعل كل الحرف جذابة بصورة متساوية، وبقدر ما تسمح به الظروف المرتبطة بالعمل، حتى تكون لكل الحرف القدرة المتساوية على جذب الأشخاص الذين يجدون في أنفسهم الميل الطبيعي إليها. ويتحقق هذا بجعل ساعات العمل في الحرف المختلفة متفاوتة تبعا لما تتطلبه من جهد، فالحرف الخفيفة التي يتم أداؤها في ظروف ملائمة وممتعة، تحتاج إلى ساعات أطول، بينما تتطلب الحرف الشاقة المرهقة، مثل التعدين، ساعات عمل قصيرة جدا. وليست هناك نظرية ولا قاعدة مسبقة تحدد مدى جاذبية الصناعات المختلفة. وعندما تلجأ الإدارة لتخفيف أعباء العمل عن كاهل فئة من العمال ووضعها على كاهل فئة أخرى، فهي تستجيب بذلك لآراء العمال أنفسهم كما تحددها نسبة التطوع، والمبدأ المتبع على كل حال هو ألا يكون عمل أي إنسان أكثر مشقة من عمل أي إنسان آخر، وأن يكون العمال ذاتهم هم القضاة الذين يحكمون في هذا الأمر.»
وتحل مشكلة «من الذي سيقوم بالعمل القذر» بالإشراف على المجندين الجدد لمدة ثلاث سنوات، وفي أي مكان تحدده حاجة العمل: «ولا يسمح للشباب باختيار المهنة التي سيتخصص فيها إلا بعد انقضاء هذه الفترة التي يعين خلالها في أي عمل ويكون تحت إشراف رؤسائه دون قيد أو شرط. ولا يعفى أحد من هذه السنوات الثلاث التي يحكمها النظام الصارم.»
وفي سن الخامسة والأربعين يعفى الرجال والنساء من الخدمة ويصبحون أحرارا في أن يشغلوا أنفسهم بما يحبون، أو أن يعيشوا بقية حياتهم متفرغين إذا فضلوا ذلك.
والتجديد الآخر المهم هو إقرار النظام الجديد لحق كل فرد في أن يشارك في ثروة الأمة على قدم المساواة مع كل فرد آخر، وذلك بصرف النظر عن كمية العمل الذي ينتجه. ومعنى هذا بعبارة أخرى هو إلغاء نظام الأجور، ووضع بيلامي للخدمة الصناعية في موازاة الخدمة العسكرية. وكما يشارك جميع أفراد الأمة في المجمع الرأسمالي بشكل متساو في الحماية والرخاء اللذين يكفلهما الجيش، كذلك يشارك بقدر متساو «جميع أفراد الأمة في عام ألفين سواء أكانوا رجالا أم نساء، أقوياء أم ضعفاء، قادرين جسمانيا أم معوقين، في الثروة التي ينتجها الجيش الصناعي. وهذه المشاركة، التي لا تتفاوت نسبتها إلا بتفاوت الازدهار العام للعمل القومي، هي الدخل الوحيد والوسيلة الوحيدة التي يعتمد عليها الجميع في حفظ حياتهم، سواء أثناء العمل الصناعي النشط أو بعد الإعفاء منه. وطبقا لمنهج تنظيم الصناعة على أساس الالتزام المتبادل بين الفرد والدولة، وبين الدولة والفرد، فقد حل الواجب تماما محل العقد، وأصبح هو القاعدة الراسخة التي ترتكز عليها الصناعة ويقوم عليها تماسك المجتمع.»
ولما كانت الأمة هي المنتج الوحيد لجميع السلع ووسائل الراحة، فقد اختفت الحاجة إلى المعاملات المتبادلة بين الأفراد: «حل نظام التوزيع المباشر من المخازن الأهلية محل التجارة، وبطلت الحاجة في ذلك النظام إلى أي نقود.» ويتم التوزيع وفق خطة مبسطة للغاية: «يعطى كل مواطن سلفة تناسب حجم مشاركته في الإنتاج السنوي للأمة وتثبت في السجلات العامة مع بداية كل عام، وتسلم له بطاقة معتمدة بهذه السلفة يمكنه بواسطتها أن يحصل من المخازن العامة الموجودة في كل التجمعات على كل ما يشاء وفي أي وقت يشاء. وهذا الإجراء يلغي إلغاء تاما أي نوع من أنواع التعامل التجاري بين الأفراد والمستهلكين.» وتصدر هذه البطاقة مقابل عدد من الدولارات، وقد احتفظ بالكلمة القديمة التي تدل عليها، غير أنها أصبحت تستخدم «كرمز جبري لمقارنة قيم المنتجات بعضها ببعض». والسلفة التي توفرها البطاقة تسمح بتلبية جميع الاحتياجات الضرورية، بل وتسمح بعدد كبير من أسباب الترف والرفاهية، فإذا احتاج مواطن في ظرف استثنائي لإنفاق مبلغ إضافي، أمكنه أن يحصل على مبلغ تحت الحساب من سلفة العام التالي «على الرغم من عدم تشجيع هذا الإجراء، ومن تحصيل خصم كبير للحد منه.»
وكل مواطن حر في إنفاق المبلغ المقرر له كما يريد: «ومع أن الدخل واحد، فإن الذوق الشخصي هو الذي يحدد طريقة إنفاقه. فالبعض يحبون الخيول الجميلة، والبعض الآخر يميل إلى الملابس الأنيقة، وهناك من يفضل المآدب الشهية الفاخرة. وتتفاوت الإيجارات التي تحصلها الأمة عن هذه المنازل تبعا لحجمها، وأناقتها، وموقعها، بحيث يستطيع كل فرد أن يجد ما يناسبه.» ولا يحاول أحد أن يتباهى على غيره بمسكنه أو ملبسه؛ «لأن دخل كل فرد معروف، كما أن ما ينفقه في شيء يجب أن يوفره في شيء آخر.» ومن جهة أخرى لا يحتاج الناس، بسبب ثراء الأمة، إلى حرمان أنفسهم من أي شيء طيب، ولم يعد الاقتصاد الشديد يعتبر فضيلة.
ويتم التسوق بأكمله من المخازن الأهلية التي تسير على نظام شديد الكفاءة (وإن كان يفتقر بعض الشيء إلى الطابع الشخصي) ولا يوجد بائعون أو بائعات، بل مجرد موظفين يتلقون الطلبات ويثقبون قيمة السلع المشتراة على البطاقة المعتمدة. ولا يتوقع منهم معرفة مزايا السلع ولا إطراؤها، لأن كل المعلومات التي يحتاج إليها العميل مطبوعة طباعة أنيقة على البطاقة الملصقة بالعينات المعروضة. وتدار المحلات وفق النظام المتبع في معارضنا للسلع المطروحة للبيع، وترسل الطلبات إلى المخزن المركزي للمدينة حيث يتم تجهيزها وشحنها، بواسطة أنابيب هوائية، إلى الأحياء المختلفة في المدينة ثم توزع على المنازل. وتعد العينات المعروضة في محل بأصغر قرية نسخة دقيقة من المحل الموجود بالمدينة، وهي تضع منتجات من شتى السلع المتنوعة تحت تصرف الشعب. «ومحلات عرض العينات في القرى مربوطة بالمستودع المركزي للمقاطعة الذي يمكن أن يكون على بعد عشرين ميلا منه.» ولكن رسائل النقل تبلغ حدا كبيرا من السرعة بحيث إن الوقت اللازم لذلك يعد ضئيلا.
Неизвестная страница