ضرورة بذل الأسباب في النهوض بالأمة علميًا دون النظر إلى النتائج
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله ﷿ أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
نستكمل ما كنا قد بدأناه من حلقات حول موضوع أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة، وتحدثنا في عدة محاور، كان المحور الأول هو قيمة العلم بصفة عامة في الشريعة، قيمة العلم في كتاب رب العالمين ﷾ وفي السنة المطهرة، وأثبتنا بما لا يدع مجالًا للشك أن العلم أساس لبناء الأمم، وأول ما فتح به كتاب ربنا ﷾، وأن أكثر الكلمات التي جاءت في كتاب ربنا بعد لفظ الجلالة العلم.
ثم تحدثنا في محاضرة أخرى عن رصد الواقع عن قراءة في واقعنا العلمي، وفجعنا جميعًا بالفجوة الهائلة التي بين أمة الإسلام وبين غيرها من الأمم التي كانت تتشابه مع أمتنا في ظروف كثيرة، ولكنها أخذت بأسباب العلم فسبقت وقادت، وتحدثنا عن الفجوة التي بين جامعات المسلمين وبين الجامعات الغربية، والفجوة التي بين علماء المسلمين والعلماء الغربيين والشرقيين، وبين التقنية والاختراع والتصنيع والابتكار والإبداع وما إلى ذلك، وكان هذا قراءة حقيقية للواقع الذي نعيش فيه، وذكرنا ذلك بالإحصائيات والأرقام.
ثم في المحاضرة السابقة أخذنا في تحليل: لماذا وصل المسلمون إلى هذا الوضع؟ وذكرنا أن القضية في الأساس تمكن في فهم المسلمين على مدار عصور طويلة، حيث فهموا أن العلوم تقسم إلى علوم دين وعلوم دنيا، فتحرج المتحمسون لهذا الدين والملتزمون به والمحبون لله ولرسوله ﷺ أن ينصرفوا عن علوم الدين إلى علوم الدنيا، وأن ينشغلوا بدنياهم عن آخرتهم، كما صور الذين صنفوا هذا التصنيف: علوم دنيا وعلوم دين.
وأما التصنيف الذي أرتاح له كما ذكرت أنها علوم شريعة أو شرع وعلوم حياة، والحياة ليست مذمومة كالدنيا في كتاب ربنا ﷾: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، أما الدنيا فتأتي مذمومة ملعونة، حتى قال رسولنا ﷺ فيما رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، أن رسول الله ﷺ قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالمًا ومتعلمًا)، فالدنيا بصفة عامة ملعونة، فكيف يقرن علمًا بالدنيا ثم يكون من العلوم المحمودة؟ هذا ما لم يفهمه الكثير من الملتزمين، وبذلك أعرضوا عن التفوق في العلوم الدنيوية أو العلوم الحياتية، وتوجهوا إلى العلوم الشرعية فقط، العلوم الشرعية في غاية الأهمية، وهي لا شك تسبق العلوم الحياتية، لكن لا تقوم أمة إلا بالعلمين سويًا.
وفي المحاضرة السابقة عن الإسلام وعلوم الحياة ذكرنا خمسة أدلة على أن العلوم الحياتية هي علوم شرعية، وعلى أن العلوم الحياتية إن أخذت بنية وبإخلاص تقود إلى الجنة إن شاء الله رب العالمين.
قبل أن نخوض في الأدلة الخمسة الأخرى، نجيب على بعض الأسئلة التي وردت.
في الحقيقة أنا سعيد جدًا بالتفاعل الذي لمسته من الحضور من إخواننا وأخواتنا في هذا الموضوع مع صعوبته، أنا أعلم أنه ليس من القصص وليس من الحكايات والروايات التي تمر سريعًا على القلب، بل هو موضوع صعب ويحتاج إلى جهد، ومع ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله تفاعلكم هذا يرفع الهمة، وحضوركم بهذه الكثافة أيضًا يرفع الهمة.
ونسأل الله أن يتقبل منا أجمعين، وأن يرفع من درجات المسلمين، وأن يعلي من شأن هذه الأمة في الدنيا وفي الآخرة.
هذه ملحوظة جاءت من كثير من الإخوة، تقول: إن الدور الرئيسي في التغيير هو دور الحكومات ونحن أفراد لا نملك الإنفاق على البحوث العلمية، ولا نملك تحسين مستوى الجامعات، ولا نملك كذا وكذا من الأمور التي ذكرتها، براءة الاختراع، والترجمة، والكمبيوتر، والعلوم التقنية، والتصنيع، والشركات الكبرى، لا نملك كل هذا.
أقول: لقد تعرضنا لهذه النقطة في الدرس السابق، ولا مانع من أن نعيد الكلام فيها؛ لأهميتها، وما أطلبه في هذه المحاضرات بعد أن نفهم قيمة العلم فهمًا جيدًا أن نسدد ونقارب، لو فهمنا حقيقة هي في غاية الأهمية فأنا على يقين أننا بإذن الله سنعمل بطريقة مختلفة تمامًا، ليس فقط في هذا الموضوع، ولكن في كل أمور حياتنا، هذه الحقيقة: هي أن الله ﷿ برحمته لا يحاسبنا على النتائج، ولكن يحاسبنا على الأعمال، ماذا عملت في حدود إمكانياتك وقدراتك التي وضعها لك رب العالمين ويسرها لك في هذه الدنيا؟ فأنت لو أتاح الله ﷿ لك التفوق بمساحة معينة فهذه قدرتك، وليس مطلوبًا منك ما هو أعلى من ذلك، يقول ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠].
فالمطلوب من ال
4 / 2