الفكرة الواضحة هي التي يمكن تحويلها إلى عمل، فكل فكرة لا تدلك بذاتها على ما يمكن عمله، بحيث يكون هذا العمل هو معناها الذي لا معنى لها سواه، تكون «صوتا» فارغا، مهما قالت لنا القواميس عنها. الفكرة الواضحة هي ما يمكن ترجمته إلى سلوك، وما لا يمكن ترجمته على هذا النحو لا ينبغي أن نقول عنه إنه فكرة غامضة وكفى، بل ليس هو بالفكرة على الإطلاق، وليس هنالك في الدنيا شيء اسمه «فكرة نظرية» لا شأن لها بالعمل والتطبيق؛ إذ الفكرة النظرية هي الخطة التي يمكن تنفيذها، وما لا سبيل إلى تنفيذه عملا وسلوكا، ليس من الفكر في شيء؛ ولذلك لا فرق بين الفكر النظري والفكر العملي إلا في الترتيب الزمني، فما هو الآن فكرة عملية كان منذ حين فكرة نظرية، وما هو اليوم فكرة نظرية يمكن أن يصبح غدا فكرة عملية ... «النظر» من جهة و«العمل» من جهة أخرى، طرفان لشيء واحد - هو الفكرة - ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء، فنحن نقول عنها اصطلاحا إنها «فكرة» حين نشير إلى طرفها الداخلي، ونقول عنها إنها «عمل» حين نشير إلى طرفها الخارجي.
وفيما يلي أمثلة توضح ما نريد: «الصلابة»:
في الجسم فكرة واضحة إذا كنت أعرف ماذا أعمل في الجسم لأتبين فيه ما أسميه بالصلابة، كأن أحاول خدشه بأجسام أخرى كثيرة، فلا ينخدش، فأقول عندئذ إنه «صلب» وأعد نفسي قد فهمت فكرة «الصلابة» فهما «واضحا» لأني عرفت ما نوع السلوك الذي أسلكه حين أريد ترجمة الفكرة إلى عمل، أما إذا وصفت شيئا بأنه «جميل» فلست أعرف ماذا أعمل بحيث يكون عملي هذا هو ما أسميه في الشيء بالجمال، وإذا فالفكرة غامضة، أو قل إن «الجمال» ليس فكرة على الإطلاق، وكل مناقشة في جمال الشيء أو عدم جماله عبث لا يؤدي إلى طائل، فإذا رأيت الفلاسفة على خلاف لا ينقضي في تحديد معنى «الجمال»، فاعلم أن ذلك لا يرجع إلى «صعوبة» في الفكرة، بل يرجع إلى أن أصحابنا يحاولون أن يقبضوا الريح، إذ هم يناقشون في غير موضوع.
و«الثقل»:
في جسم من الأجسام فكرة واضحة؛ لأني أعرف ماذا أعمل في الجسم لأتبين فيه ما أسميه ثقلا، وهو أن أزيل الحوائل التي تمنع سقوطه على الأرض، فإن سقط كان «ثقيلا»، وكانت فكرة «الثقل» واضحة لأنها قد انتقلت إلى عمل منظور، أما إذا قلت عن شيء ما إن له حقيقة وراء ظواهره المحسوسة، كأن أقول مثلا إن الكهرباء شيء كامن وراء آثارها الظاهرة، كان قولي هذا هراء، بمعنى أنه ليس «فكرا» على الإطلاق، دع عنك أن يكون فكرا واضحا؛ ذلك لأني لا أعرف ماذا أعمل بحيث أتبين في الشيء حقيقته الخفية المزعومة.
الفكرة الواضحة مشروع لعمل يمكن أداؤه إذا شئنا، ولا شيء غير ذلك، حتى الأفكار الرياضية مشروعات لأعمال يمكن أداؤها: لقد طلبت إلى خادمتي يوما أن تشتري لبنا بثلاثة قروش ونصف قرش، وأعطيتها لذلك ورقة ذات عشرة قروش، فلما أردت حسابها، قلت لها: لقد اشتريت اللبن بثلاثة قروش ونصف قرش، وكنت مدينا لك بقرشين، فهاتي أربعة قروش ونصف قرش، فبدا عليها الاضطراب، فقلت: ضعي ها هنا ما تبقى لديك من القروش العشرة، فوضعت على المنضدة ستة قروش ونصف قرش، قلت لها خذي منها قرشين كنت مدينا لك بهما، ففعلت وانتهى الإشكال. كانت العملية الحسابية غامضة في ذهنها أول الأمر؛ لأنها لم تكن بعد قد تحددت على صورة سلوكية يمكن إجراؤها عملا، وكانت العملية «واضحة» في ذهني لأني كنت أعرف كيف أترجمها إلى عمل.
ولئن كان بين الناس خلاف شديد في المذاهب السياسية والاجتماعية، فما ذاك إلا لأن الألفاظ الشائعة في هذا المجال لم تتبلور أفكارا واضحة بعد، أعني أن الأفكار المتداولة لا يعرف لها طريقة معينة محددة للتنفيذ، إننا نفهم كلمة «جمهورية» فهما واضحا إذا عرفنا ماذا نصنع في المجتمع بحيث يجيء ما نصنعه شيئا هو الذي نسميه بهذا الاسم، لكن ألفاظا مثل «ديمقراطية» و«حرية» و«شيوعية» و«اشتراكية» تعبر عن أفكار غامضة، ومن هنا كان الخلاف، بل كان القتال؛ لأن الديمقراطية - مثلا - لا تكون فكرة واضحة إلا إذا عرفنا ماذا نعمل، وعلى أي وضع نقيم الناس والحكومة، وبأي صورة تجري الصناعة والزراعة والتجارة، حين يكون هنالك ما نسميه بالديمقراطية، وما دامت الفكرة غير محددة في طريقة تنفيذها، فليست هي بالفكرة الواضحة، وقل ذلك في سائر أخواتها.
لكن قائلا قد يقول: إنك قد اخترت لأمثلتك أفكارا بسيطة مما يمكن أن يحقق رأيك في الوضوح، لكن هناك أفكارا «عميقة» يستحيل أن ينطبق عليها هذا المقياس، والحق أني ما كتبت هذا المقال إلا لأمحو كثيرا جدا من هذه الأفكار «العميقة» محوا. أيها القارئ الكريم: لا يخدعنك هؤلاء «المتعمقون» لأنهم لا يفهمون لما يقولونه معنى، ثم يجاوزون بشرهم حدود أنفسهم فيدفعونك في خلط يفسد عليك حياتك الفكرية والعملية على السواء، إنهم يريدونك أن تكتفي من دنياك بالكلام، ولقد شبعنا كلاما حتى التخمة، ونريد العمل، نريد العمل، نريد العمل.
فمثلا يقول لنا هؤلاء «المتعمقون» في تفكيرهم: كونوا يا أهل الشرق «روحانيين»، وتسألهم عن معنى «الروحانية» التي يقصدون فلا تدري بماذا يجيبون، فإنني - كما قلت يوما في كلمة ألقيتها - «لا أرى بين ضلالاتنا ضلالة أشد تضليلا من هذا الذي يكثر ترديده على ألسنة المتكلمين وأقلام الكاتبين» - وهو أننا شعوب روحانية بالقياس إلى الغرب المادي. يقولون لنا ذلك وكأنما يريدوننا أن نفكر ونعمل ونربي أبناءنا على هذا الأساس. ولست أتمنى شيئا بمقدار ما أتمنى أن يتفضل علي فاضل من هؤلاء فيوضح لي ماذا يريدوننا أن نفعل وكيف يريدوننا أن نفكر؛ لأني حاولت جهدي أن أرى كيف تأكل الشعوب الروحانية وكيف تشرب، كيف ترصف الطرق وتبنى الجسور، كيف تقاوم أمراضها وتجري صناعتها وتجارتها، كيف تحارب أعداءها، بل كيف تلهو في ساعات الفراغ، حاولت جهدي أن أفهم كيف تتم هذه الأشياء عند الشعوب الروحانية كي تجيء مخالفة لما يصنعه الماديون في الغرب، فلم أفهم.» - فإذا كانت الفكرة «الروحانية» كما ترى، يستحيل ترجمتها إلى سلوك، إذا فليست هي بالفكرة على الإطلاق، بل هي لفظة فارغة يجب حذفها حتى لا تفسد علينا الحياة. إننا في صراع مع ما يسمونه غربا ولن نظفر من صراعنا بنصر إذا كانت عدتنا كلاما لا يتحول إلى عمل.
وأحسب أن القارئ الذي اعترضني منذ حين، سيعود إلى اعتراضي قائلا: لكنها تعد بالمئات، تلك الألفاظ التي نقولها دون أن يكون في مضمون معناها عمل ممكن الحدوث، ومنها ألفاظ عزيزة جدا على نفوسنا، نحبها ونرددها في الصباح وفي المساء ... فأجيبه مطمئنا واثقا: إنها لغو لن تتقدم به الإنسانية فترا ولا شبرا، إننا نعيش ونحيا بالأفكار القليلة الواضحة، أي أننا نعيش ونحيا بالأفكار التي يمكن أن تتحول عملا وسلوكا، فأما تلك التي لا تغير من دنيانا شيئا فشر يجب أن نتقيه.
Неизвестная страница