حتى الآداب والفنون قد أصبح معيارها هو الواقع، ولا أقصد بذلك أن الأديب أو الفنان يقف حيال الظاهرة المعينة موقف العالم الذي يحللها ويصفها بالمقاييس والأرقام، بل أريد أن أقول إن الآداب والفنون في ميدانها - ميدان التعبير عن النفس وما يدور فيها من مشاعر - أصبحت تنزع بقوة نحو إثبات الواقع بغير حياء ولا خجل، فما قد كان يستحيي منه أسلافنا لا يتحتم أن يكون عندنا نحن كذلك موضع استحياء؛ ومن ثم نرى اليوم أدباء لا يتورعون عن تصوير مجرى شعورهم كما هو، فيكون بين ذلك رغباتهم الجنسية وانحرافاتهم الإجرامية وما إلى ذلك، ونرى اليوم مصورين لا يجلسون أمام الشيء يصورونه كما يبدو، بل يصورونه كما يختلط بأفكارهم في لحظة التصوير، فإذا جلست مثلا إلى طائر تصوره، وأثناء ذلك دق جرس شغل بؤرة شعورك، وجب أن تدخل هذه الصورة الطارئة على نحو ما؛ لأنها جزء منك في اللحظة التي أردت تصوير نفسك فيها، ومن هنا كان كثير مما نعده «خلطا» في التصوير الحديث، وهكذا. (2)
وأهم ما يميز الجانب الوجداني من «المتمدن» في عصرنا الحديث، هو التأثر بما ينتجه رجال الأدب والفن المحدثون، فأنت متخلف عن عصرك ومدنيته إذا لم تأخذ بنصيب - قليل أو كثير - في تقدير ما ينتجه هؤلاء الرجال من أدب وتصوير ونحت وموسيقى وتمثيل ورقص وغناء، مهما يكن عملك وموضوع اختصاصك، فقد تكون طبيبا أو مهندسا أو رجلا من رجال الأعمال، لكنك لكي تكون إلى جانب ذلك «متمدنا» فلا بد من إضافة عنصر آخر، هو التمتع بنتاج الفنون.
أقول: إنه لا بد من أخذك بنصيب في تقدير هذه الأشياء كلها، ولا أحتم عليك أن تحب كل ما تراه منها أو تسمعه، فلك أن تحب أو أن تكره، على شرط أن يكون حبك وكرهك قائمين على معيار هذا العصر نفسه؛ لأن الآداب والفنون كلها تعبير عن روح العصر، ويستحيل أن تتشرب روح العصر وتتمرد في الوقت نفسه على كل آدابه وفنونه.
لقد رأيت أناسا هم في مكان القيادة من طليعة «المثقفين» عندنا، لا يعرفون الألف والباء في أمهات الإنتاج الأدبي في العالم المتحضر الحديث، ولم يشهدوا في حياتهم معرضا للتصوير أو النحت، وحتى لو شهدوا ذلك لما كان لهم فيه رأي ولا فهم، فاذكر - مثلا - اسم «بيكاسو» في جماعة من «المثقفين» عندنا، وانظر كم يعلمون عنه وكيف يقولون القول فيه. وأكرر القول بأنني لا أحتم على كل إنسان أن يحب فن «بيكاسو »، فكثيرون من الأوروبيين لا يحبونه، لكنهم لكي يحبوه أو يكرهوه، لا بد لهم أولا أن يمسوه ويعرفوه، ولا أقول شيئا عن الغناء والرقص؛ فتلك عندنا فنون «حرام» ليس لأصحاب الوقار أن يأخذوا منها بنصيب كبير أو صغير! (3)
وأهم ما يميز السلوك عند المتمدن الحديث هو مقدرته على ضبط زمام نفسه؛ فليس من اليسير عليك أن تثير فيه الغضب الذي يطير بصوابه، وهو لا يغلو في مظاهر الفرح ولا مظاهر الحزن. فأنت «متمدن» بمقدار ما يتصرف «الإنسان العاقل» فيك، لا ما يتصرف «الحيوان» منك. والحيوان منك هو الغرائز تنطلق كما هي بغير ضبط ولا تعديل، وأعجب العجب أننا نفخر بسرعة انفعالنا وشدة هيجان شعورنا، ونصف الأوروبي المتمدن في هذه الناحية «بالبرود» لأنه لا ينفعل ولا يهيج!
كذلك من أميز ما يميز سلوك المتمدن الحديث طريقته في ملء فراغه، فهو متخلف عن عصره إذا قضى فراغه نائما أو جالسا؛ لأن للفراغ في المدنية الحديثة ألوانا من النشاط كثيرة معروفة، ليس منها النوم والقعود، فهي لعب وارتحال وتغيير لمجرى الحياة المألوفة على نحو ما، بالقدر الذي تسمح به قدرة الناس المالية، على تفاوتها، ويستحيل أن يبلغ الفقر بإنسان حدا يمنعه من المشي وطلوع الجبل!
إن في خاطري الآن اسما أو اسمين لرجال أراهم بيننا أقرب الناس تمثيلا للمدنية الحديثة في نزعتها العلمية وفي استمتاعها بألوان الفن، وفي ضبط النفس عند السلوك، وفي ألوان النشاط عند الفراغ من العمل، لكني أمسك عن ذكر الأسماء، وأكتفي بوضع القواعد، وللقارئ أن يطبقها على نفسه وعلى من حوله كيف شاء.
الحس المشترك
كثيرا ما تدل اللفظة من ألفاظ اللغة على طور من أطوار التاريخ الفكري، اجتازه أصحاب تلك اللغة فيما مضى، أو لا يزالون في مرحلة اجتيازه الآن إذا كانت اللفظة ما تزال قائمة بدلالتها تلك، فمثلا لفظتا «رحم» و«رحمة» في اللغة العربية، وما بينهما من تشابه، تدلان على أن الرحمة في طور من أطوار التاريخ الفكري لأصحاب هذه اللغة، كانت مقصورة على ذوي الرحم، وذلك أيام أن كانت القوانين الأخلاقية ملزمة للفرد إزاء بني أسرته أو قبيلته، وغير ملزمة له بالنسبة إلى أفراد القبائل الأخرى، ولفظتا «نفس» و«نفس» تدلان أيضا بما بينهما من تشابه على طور من أطوار التاريخ الفكري لأصحاب هذه اللغة، كانت العقيدة فيه سائدة بأن النفس في الكائن الحي إن هي إلا الأنفاس التي يدخلها أو يخرجها شهيقا وزفيرا، والعلاقة بنفسها قائمة بين لفظتي «روح» و«ريح». وهكذا تستطيع أن تستشف كثيرا من المذاهب الفكرية لأمة من الأمم من خلال دراستك لألفاظها على هذا النحو.
ومن هذا القبيل لفظة
Неизвестная страница