581

إلى الكوفة، فاجتمع به ذووا النصح له والتجربة للأمور وأهل الديانة والمعرفة كعبد الله ابن عباس وعمر بن عبد الرحمن بن الحرث المخزومي وغيرهما، ووردت عليه كتب أهل المدينة من عبد الله بن جعفر وسعيد بن العاص وجماعة كثيرين كلهم يشيرون عليه أن لا يتوجه إلى العراق، وأن يقيم بمكة، هذا كلة والقضاء غالب على أمره، والقدر آخذ بزمامه، فلم يكترث بما قيل له ولا بما كتب إليه، وتجهز وخرج من مكة يوم الثلاثاء وهو يوم التروية الثامن من ذي الحجة، ومعه اثنان وثمانون رجلا من أهله وشيعته ومواليه، فسار فلما وصل إلى الشقوق وإذا هو بالفرزدق الشاعر وقد وافاه هنالك، فسلم عليه ثم دنا منه وقبل يده، فقال له الحسين (عليه السلام): من أين أقبلت يا أبا فراس؟ فقال: من الكوفة، فقال له: كيف تركت أهل الكوفة؟ فقال: خلفت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية عليك، وقد قل الديانون، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء، وجرى بينهما كلام قد تقدم ذكره في آخر الفصل الثامن.

ثم ودعه الفرزدق في نفر من أصحابه ومضى يريد مكة، فقال له ابن عم له من بني مجاشع: يا أبا فراس هذا الحسين بن علي؟ قال له الفرزدق: نعم هذا الحسين بن علي وابن فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى صلى الله عليه وعليهم، هذا والله ابن خيرة الله وأفضل من مشى على وجه الأرض الآن، وقد كنت قلت فيه قبل اليوم أبياتا غير متعرض لمعروفه، بل أردت بذلك وجه الله والدار الآخرة، فلا عليك أن تسمعها؟

فقال ابن عمه: إن رأيت أن تسمعنيها أبا فراس، فقال: قلت فيه وفي أمه وابيه وجده (عليهم السلام) @HAD@ :

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم

هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا حسين رسول الله والده

أمست بنور هداه تهتدي الامم

هذا ابن فاطمة الزهراء عترتها

في جنة الخلد مجريا به القلم

إذا رأته قريش قال قائلها

إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

يكاد يمسكه عرفان راحته

ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

بكفه خيزران ريحه عبق

بكف أروع في عرنينه شمم

يغضي حياء ويغضي من مهابته

فما يكلم إلا حين يبتسم

ينشق نور الدجى عن نور غرته

كالشمس تنشق عن إشراقها الظلم

Страница 586