503

له منها النصف ويعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة، فانسل عبيد الله ليلا إلى معسكر معاوية ومعه خاصته وأصبح الناس بغير أمير، فصلى بهم قيس رضي الله عنه ونظر في أمورهم، فازدادت بصيرة الحسن (عليه السلام) بخذلانهم له وفساد نيات المحكمة فيه وما أظهروه له من سبه وتكفيره واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصه من شيعته وشيعة أبيه (عليهما السلام)، وهم جماعة لا يقومون بحرب أهل الشام.

فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح، فأنفذ إليه كتب أصحابه التي ضمنوا فيها الفتك به وتسليمه إليه، واشترط في إجابته إلى الصلح شروطا كثيرة، وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن (عليه السلام) وعلم احتياله واغتياله، غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة لما كان من ضعف بصائر أصحابه في حقه والفساد عليه ومخالفته، واستحلال كثير منهم دمه وتسليمه إلى خصمه، وخذلان ابن عمه له [1] ومصيره إلى عدوه، وميلهم جميعا إلى الدنيا وعاجلها.

فتوثق لنفسه (عليه السلام) من معاوية تأكيدا للحجة عليه، والإعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى، وعند كافة المسلمين، واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين (عليه السلام)، والعدول عن القنوت عليه في الصلاة، وأن يؤمن شيعته رضي الله عنهم ولا يتعرض لأحد مهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، فأجابه معاوية إلى ذلك جميعه وعاهده عليه وحلف له بالوفاء.

فلما استتمت الهدنة سار معاوية حتى نزل بالنخيلة وكان يوم جمعة، فصلى بالناس ضحى النهار وخطبهم فقال في خطبته: إني والله ما أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي له بشيء منها.

ثم سار ونزل الكوفة فأقام بها أياما، فلما استتمت بيعته صعد المنبر فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين والحسن (عليهما السلام) فنال منهما، وكان الحسين (عليه السلام) حاضرا، فأراد أن يقوم ويجيبه فأخذ الحسن بيده وأجلسه وقام وقال: أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك

Страница 508