في هذه القصيدة صور جزئية، تعبر عن مختلف النقلات التخطيطية للريشة الراسمة؛ إن الشاعر يرسم لنا لوحة ممتازة، مضمونها إبراز المفاتن الجسدية لفتاة جميلة في دور التكوين، ثم يتيح لنا أن نتابعه وهو يتنقل بريشته من مرحلة إلى مرحلة، وكأنه بسياحة خارجية لمعالم هذا التكوين الجسدي، من الوجه الأنثوي إلى القدم. وهو يستخدم الضحى والليل والروض والغصن والبحر، يستخدمها كمجالات خلقية لصوره المرسومة؛ ومن الملاحظ أنه لم يلجأ - كما هو الحال عند المدرسة الكلاسيكية - إلى التعبير المباشر في التشبيه، لم يلجأ إلى طريقة التجسيم التقليدية ليشبه بياض الوجه بنور الضحى، وسواد الشعر بظلام الليل، وبريق الأسنان بضوء النجوم، إلى آخر السلسلة من تلك القائمة الرتيبة والمكررة. لقد كانت وسيلته الأولى إلى التجسيم، قائمة على الرمز الإيحائي للصورة المركبة؛ صورة الضحى مثلا في موقف التقبيل، الدجى في موقف العناق، والغصن في موقف الهمس والسجود، وما يكمن وراء كل حركة من أمثال هذه الحركات الموقفية من معنى رامز أو دلالة موحية. أما وسيلته التجسيمية الثانية، فقد ارتكزت على ذلك الجو القصصي، الذي غلفت به أجزاء المشهد المعروض، فأكسبتها عنصرا جديدا من ثراء التلوين ودينامية الترابط. ولقد ختم الشاعر مجموعة لمساته الحسية، بلمسة نفسية أخيرة في أسفل اللوحة، مضمونها أن غيرة المرأة الجميلة من المرأة الجميلة، شعور أصيل من شأنه أن يلغي أمام المنافسة، منطق الاعتراف للطرف المنافس بقيمه الجمالية؛ لأن المقارنة في أساسها غير عادلة. وحين نقف وقفة أخرى أمام اللوحة الثانية، يواجهنا في بدايتها نفس الطابع الفني، الذي عرفناه في اللوحة السابقة، وهذه هي بداية «سلمى الكورانية»:
تعجب الليل منها عندما برزت
تسلسل النور في عينيه عيناها
فظنها وهي عند الماء قائمة
منارة ضمها الشاطي وفداها
وتمتمت نجمة في أذن جارتها
لما رأتها وجنت عند مرآها:
انظرن يا إخوتا هذي شقيقتنا
فمن تراه على الغبراء أنقاها؟
أتلك من حدثت عنها عجائزنا
Неизвестная страница