وتقدرون فتضحك الأقدار
مرد النكتة
كانت كتابة هذا الفصل بعد طبع خلاصة اليومية بإحدى عشرة سنة، وبعد كتابته بأربع سنوات عقبت على كتاب «في المرآة» للأستاذ البشري الذي يقول في مقدمته:
إن مرد النكتة إلى خلل في القياس المنطقي بإهدار إحدى مقدماته أو تزييفها، أو بوصلها بحكم التورية ونحوها بما لا تتصل به في حكم المنطق المستقيم. فتخرج النتيجة على غير ما يؤدي إليه العقل لو استقامت مقدمات القياس ... وهذا الذي يبعث العجب ويثير الضحك والطرب، فالنكتة بهذا ضرب من أحلى ضروب البديع، ولا يعزب عنك كذلك أن النكتة إذا لم تكن محكمة التلفيق متقنة التزييف بحيث يحتاج في إدراكها إلى فطنة ودقة فهم؛ خرجت باردة مليخة لا طعم لها في مساغ الكلام.
وكان تعقيبي على مقدمة الأستاذ البشري أنه على صواب في جزء واحد من أجزاء هذا التعريف، وهو الذي يقول فيه إن الخلل في القياس المنطقي مضحك وإن التزييف والتلفيق داعية من دواعي السخرية، أما الجزء الذي نراه على غير الصواب فيه فهو قوله إن النكتة هي التي تشتمل على الخلل أو على التلفيق والتزييف؛ لأن اشتمال النكتة على خلل في القياس يسقطها ويلحقها بالهذر والمجانة، والذي نظنه نحن أن النكتة تضحكنا لأنها تفضح الخلل وتهتك الدعوى الملفقة وتطلعنا على سخافة العقول التي لا يستقيم تفكيرها ولا تطرد حجتها، ومن ثم تكون النكتة هي المنطق الصحيح وهي الحجة المفحمة وهي البرهان الذي يرجح بالبراهين في معرض الجدال. «... وقد يسأل سائل: ولماذا تضحكنا النكتة السريعة ولا يضحكنا القياس المفصل والفضيحة المبسوطة؟! فجواب هذا قد يوجد في تعليل هربرت سبنسر للضحك وهو خير تعليل وقفنا عليه في كتب المعاصرين، ولا نقصد هنا إلا تعليل حركة الضحك الجسدية لا تعليل أسباب الضحك؛ فإن السبب الذي يذكره برجسون مثلا رجيح صالح لتفسير كثير من علل المضحكات، ونعني رأيه الذي يذهب فيه إلى أننا نضحك من كل تصرف في الإنسان يشبه التصرف الآلي الخالي من التفكير، ونحن مع هذا نقول إن التماس علة واحدة لجميع الضحك خطأ لا يؤدي إلى رأي صائب؛ لأن الضحك وإن كان اسمه واحدا إلا أنه ليس بظاهرة واحدة حتى يكون له سبب واحد.» «ونعود إلى رأي سبنسر بعد هذا الاستطراد فنقول: إن الضحك عنده ينشأ من تحول الإحساس فجأة من الأعصاب إلى العضلات، فإن من المقرر في النفسيات أن الإحساس إذا اشتد وألحف على الأعصاب تجاوزها إلى العضلات فظهر عليها في حركة عنيفة أو رقيقة على حسب قوته واشتداده، فإذا حبس الإحساس في طريقه فجأة تحول بغير إرادتنا من الأعصاب إلى أسهل العضلات حركة وأسرعها تأثرا وهي عضلات الوجه والشفتين ثم عضلات العنق والرئتين، فتتحرك بالابتسام أو بالضحك أو بالقهقهة أو بالوقوف والاختلاج عند من يغلبه الضحك وتهتز له عضلات الجسم كله. والدليل على ذلك أننا نضحك إذا غلبنا الإحساس وتحول من العصب إلى العضل أيا كان الموحي به والباعث عليه، فنضحك من الغيظ والألم ونضحك الضحكة الهستيرية التي يفرج بها المكروب عن أعصابه المكظومة كأنما يخفف عنها بنقل شيء من ضغط الإحساس عليها إلى العضلات، فالضحك هو الانتقال فجأة من الإحساس إلى الحركة العضلية، والنكتة السريعة تضحكنا لأنها تفاجئ التفكير بحالة غير مرتقبة وتعجله عن انتظار النتيجة في طريقها الممهد المألوف. ومن الأمثلة التي أوردها سبنسر للمضحكات منظر جدي يظهر على المسرح فجأة بين حبيبين يتناجيان ... فإحساس النظارة هنا يمشي في طريق الغزل وينتظر أن يمشي فيه إلى نهايته المناسبة له ويوجه الذهن إلى هذه الناحية، ولكنه لا يلبث أن يلمح الجدي على المسرح حتى يحتبس في موضعه ويتحول على غير انتظار إلى ناحية أخرى، فيندفع الإحساس من الأعصاب إلى العضلات وتحدث الحركة التي نسميها الضحك حين يختلج بها الفم والرئتان ... وفي كل نكتة شيء من هذا التحول الذي مثل له سبنسر، ينجم عن المفاجأة بما ليس في الحسبان ويتلخص في إظهار نتيجة غير النتيجة التي تبدر إلى الذهن لأول نظرة من الشيء المضحوك منه.» «فالنكتة الصادقة هي الحجة التي تظهر لنا فساد الأقيسة المختلفة واضطراب النتيجة التي تأتي في غير موضعها وتلتوي على مقدماتها، وهذه هي النكات التي تفيد النفس لأنها تروح عنها، وتفيد الذهن لأنها ضرب من المرانة على التفكير السريع وشحذ للفهم وتقويم له على المنطق السديد. ولنكتة واحدة يفهمها الطالب حق الفهم خير من مائة درس في المنطق يقرؤها ويعيدها وهو لا يحسن القياس ولا يفقه الدليل.» «وكتاب الأوصاف المضحكة يعتمدون في نكاتهم على ملكات كثيرة قد يناقض بعضها بعضا، وقد لا يجتمع منها ملكتان لكاتب واحد، فمنهم من يعتمد على ملكة السخر وهو يحتاج إلى الذكاء وإدراك الفروق، وقد يصحبه شيء من الجد والمرارة، ومنهم من يعتمد على الدعابة وهي تحتاج إلى مرح في الطبيعة مرجعه في الغالب إلى المزاج لا إلى الدرس والتعليم، ومنهم من يعتمد على الهزل وهو خلق ينشأ عن جهل بتقدير عظائم الأشياء، وقد يستحل الضحك في جلائل الخطوب، ومنهم من يعتمد على العطف وهو يرضي الإنسان عن نقائص الناس ويضحكه كما يرضى الوالد الشفيق عن جهل وليده الصغير، وخير هذه الملكات وأعلاها ملكة السخر يمازجها العطف، وهي عبقرية لا تقل في اقتدارها على تجميل الحياة وتثقيف النفوس والأذواق عن عبقرية الفلسفة وعبقرية الشعر والتلحين.»
وقد عن لي غير مرة بعد كتابة الفصل المتقدم عن النكتة (في سنة 1927) أن أتوفر على تصنيف كتاب واف أبسط فيه منادح البحث عن مصادر الأحاسيس التي تمتزج بالفنون والآداب كالإحساس بالجمال والإحساس بالجلال والإحساس بالمقدس والإحساس بالمليح
والإحساس بالمضحك على أنواعه، ولكنني وجدت الوقت يضيق عن استيعاب هذا البحث لضخامته وصعوبة مسالكه، وجدته في اللغة العربية وسائر اللغات، فجعلت ألمس هذا الموضوع متفرقا من حين إلى حين، وكان أهم ما لمسته في مسألة الفكاهة وتوضيح أقسام السخرية من حيث النية؛ إذ يكون منها ما يلجأ إليه الساخر كأنه يفتش عن العيوب الإنسانية مستريحا إلى وجودها وبقائها، ويكون منها ما يلجأ إليه الساخر آسفا مضطرا كالأب الذي يعرف عيوب ولده ويبالغ فيها ويفرط في التأنيب فيقول له إنه لا يفلح ولا يرجى، وهو في الواقع أول من يرجو له الفلاح ويتمنى لو يكذب ظنه في تلك العيوب.
ووقفت بالبحث حيث وقفت في الكلام على النكتة ورأي سبنسر وبرجسون فيها، وأعني أنني وقفت في البحث كتابة ولم أقف به عناية بالموضوع واطلاعا على آراء خبرائه وذوي الاختصاص بفنونه، وكنت كلما توسعت في استيعاب آراء الخبراء وتواريخ هذه البحوث من أوائلها بدا لي أن فهم «المضحك» كما فهمته لأول الأمر مقابلا للمبكي أو المحزن بداءة طبيعية لهذه البحوث، فإن الفلاسفة الذين تكلموا عنه قبل أربعة وعشرين قرنا إنما تحركوا من هذه النقطة، فوضعوا التراجيدية أو المأساة مقابلة للكوميدية أو المهزلة، وضموا الجد والبكاء جميعا في تعريف المأساة كما ضموا الهزل والعبث جميعا في تعريف المهزلة، وكذلك فعل أفلاطون وفعل أرسطو من بعد، واقتدى بهما كل من تصدى لتحليل فنون المسرح والشعر عامة مع قواعد الخطابة والبلاغة في جميع هذه الأغراض.
يبدأ فهم المضحكات على هذا النحو الذي تغلب عليه المقابلة الاسمية بين الضحك والبكاء، ثم يتفرع الضحك ويتشعب وتلوح منه الأفانين التي لا يقابلها البكاء في كل حالة، بل يدخل فيها ويحسب منها في بعض الحالات.
الفيلسوف الباكي والفيلسوف الضاحك
Неизвестная страница