فهو يستيقظ قبل أن يرتفع الضحى، ويغدو على عمله كما تعرفه نائما أو كالنائم ممضا في هذا الذهول الغريب، وقد طالت تجربته لهذا النوع من الحياة أو لهذين النوعين المختلفين من الحياة حتى ألفهما إلفا متصلا، وأصبح لا يستطيع أن يحيا إلا كما نراه نحن في النهار، كما يراه الله وقليل من الأخلاء في الليل.
على أن حياته هذه المختلفة لم تلبث إلا قليلا حتى ظهرت آثارها في رأيه، وعمله، وسيرته مع الناس. فهو أذكى من أن يأمن السكر على آرائه وأعماله وأقواله، فهو من أجل ذلك قد أساء الظن بنفسه فجعل لا يرى رأيا إلا أطال التفكير فيه، والتقليب له قبل أن يعلنه، يتهم فيه ليله هذا السكران، ويخشى أن يدفعه إلى غير الصواب، وهو لا يقدم على عمل إلا بعد التردد المتصل، وبعد الإحجام الطويل، وهو لا يقول قولا إلا بعد أن يزنه كما يزن الصيرفي دنانيره بميزانه الحساس الدقيق، ثم جعل سوء ظنه بنفسه يقوى ويشتد، ويمتد حتى تناول الناس جميعا، وإذا هو لا يصدقك إذا استمع إليك كما أنه لا يطمئن إلى ما تهدي إليه من قول أو عمل؛ لأنه يتهم الناس جميعا فيما يقولون ويعملون، كما يتهم نفسه في كل ما يعمل ويقول، ويريد سوء حظه أو حسن حظه لا أدري أن تبتسم له الأيام، ويستجيب له الحظ فيرقى ويرقى ويسرع إليه الثراء، وإذا هو يشعر كما يشعر غيره من الناس بأنه في حاجة إلى أن يكون لنفسه أسرة، ويؤسس لنفسه بيتا فيتخذ الزوج، ولكنه لا ينعم بالزواج إلا أياما، فقد صرفته زوجه عن ندمائه؛ الليل والشراب والكتاب، صرفته فانصرف أول الأمر، ثم لم يلبث أن أدركه السأم فجعل يرد نفسه إلى ندمائه هؤلاء شيئا فشيئا، وهو كلما رد من نفسه جزءا إلى ندمائه حرم زوجه هذا الجزء من نفسه؛ فسعد هو وشقيت هي، حتى إذا عادت نفسه كلها إلى ندمائه نعم بسعادته الكاملة، وشقيت بحرمانها الكامل، وعاش الزوجان في دار واحدة، ولكن كلا منهما أصبح لصاحبه عدوا يظهر الحب ويضمر البغض.
قلت لصاحبي حين بلغ هذا الموضع من حديثه: أو تظن الأمور تستقيم لهذا الكائن الغريب على هذا النحو الغريب من أنحاء الحياة؟ قال صاحبي: هيهات! وكيف تستقيم الأمور لرجل يسامر ظلمة الليل التي تغشى الأبصار، وظلمة الخمر التي تغشى البصائر، ألم أنبئك بأن حبه لهذه الظلمات قد أفسد عليه حياته الروحية، ودفعه إلى الإسراف في سوء الظن بنفسه وبالناس، ومتى استقامت الأمور لمن يقيم حياته على الإسراف في سوء الظن بنفسه وبالناس.
طيف
ألقى كل واحد منهما إلى صاحبه نظرة دهشة واجمة، فيها كثير من هذه الغفلة الحائرة التي تنشأ من المفاجأة، والتي تلم بالآمن المطمئن حين يفجأه من الأمر ما لم يكن ينتظر، بل ما لم يكن يخطر له ببال، وكانت النظرة التي ألقاها كل منهما إلى صاحبه خاطفة أول الأمر، ولكنها عادت فطالت واستقرت شيئا ما، ولزمت مع ذلك صمتا، إن صور شيئا فإنما يصور انعقاد اللسان حين تسيطر الحيرة على العقل فلا يفكر، وعلى القلب فلا يشعر، وعلى اللسان فلا يقول.
وقد لبث كل منهما بإزاء صاحبه ذاهلا غافلا لا يعرف ماذا يصنع، ولا يدري كيف يقول، ولو قد عرض لهما هذا اللقاء المفاجئ لأصابتهما الحيرة وقتا طويلا أو قصيرا، ولتهيأ آخر الأمر إلى مخرج من هذه الحيرة بكلمة تنفرج عنها الشفاه، أو ضحكة تنفغر لها الأفواه، ولكنهما في موقفهما هذا لم يكونا يستطيعان أن يخرجا من حيرتهما الصامتة إلى الضحك أو إلى الكلام، فقد كان بينهما هذا القبر القائم يضطرهما إلى شيء من الوقار لا يملكان معه ضحكا أن أرادا الضحك، ولا كلاما إن أرادا الكلام.
وهما من أجل ذلك قد لبثا صامتين واجمين، يلتمسان مخرجا من هذا الصمت، ومنصرفا عن هذا الوجوم، فلا يجدان إلى شيء من ذلك سبيلا، وقد أخذ كل واحد منهما يحدث نفسه بالانصراف عن هذا القبر، يرى في هذا الانصراف فرجا من هذا الحرج، ومخرجا من هذا الضيق، ولكن كل واحد منهما كان يسأل نفسه أيبدأ هو بالانصراف أم ينتظر حتى يضطر صاحبه إلى أن ينصرف؟ وإنهما لفي هذه الحيرة المتصلة، وإذا خطو يسمع وقعه من بعيد، فيرفعان رأسيهما وينظران من حيث يسمعان، فإذا شخص يقبل بطيئا رزينا متكلفا للوقار، ولا يكاد يدنو منهما حتى يعرفاه كما يعرف كل واحد منهما نفسه، فهو صديقهما الثالث الذي تعود أن يلقاهما حين يقبل المساء من كل يوم، وأن يسمر معهما حيث تعودوا أن يسمروا في ناد من أندية القاهرة أول الليل، وأن ينصرف معهما إلى حيث تعودوا أن ينصرفوا حين يوشك الليل أن ينتصف، فيلقون في بعض الأندية الخاصة من يلقون من رفاق اللهو، وخلان العبث والمجون، حتى إذا كاد الليل يبلغ ثلثيه أوى ثلاثتهم إلى تلك الدار التي تعودوا أن يأووا إليها في آخر الليل، وقد خلصت نفوسهم حظ اللهو، وصفت ضمائرهم للعبث، وحسن استعدادهم للمجون، أو قل إن شئت: لاستيفاء حظهم من المجون.
هنالك يكون شرب الكئوس الأخيرة، وهنالك تنطلق الألسنة بما تشاء في غير تكلف ولا تحرج، وهنالك ترسل النفوس على سجيتها في غير احتياط ولا تحفظ، وهنالك يخلع الإنسان عن نفسه هذه الخصال المصطنعة التي فرضتها الحضارة على المتحضرين، ويصير إلى حال من الإنسانية المترفة الفاجرة التي تنحط بصاحبها، أو ترتقي بصاحبها لا أدري، إلى حيوانية مترفة لا أدب فيها ولا وقار، حتى إذا انهزم الليل وولى مدبرا، وانتصر الصبح وأقبل ظافرا، انسلوا من هذه الدار لا تكاد أقدامهم تحملهم، ولا تكاد أجسامهم تسع نفوسهم، ولا تكاد ألسنتهم تنطق، ولا تكاد عقولهم تفكر، ولا تكاد قلوبهم تشعر؛ لأنهم قد أسرفوا على أنفسهم في الاستمتاع بإنسانيتهم المهذبة، التي نعمت حتى أفسدها النعيم، وأثرت حتى أطغاها الثراء، وارتقت حتى انحدر بها الارتقاء إلى الدرك الأسفل من الانحطاط، ولا يكادون يبلغون باب الدار متثاقلين متهالكين يسندهم الخدم مكبرين لهم ساخرين منهم حتى يتلقى كل واحد منهم سائق سيارته فيقره على شيء من الجهد في السيارة. يظهر الإكبار له ويضمر الاستهزاء به، ثم يمضي بهذا المتاع الغالي الرخيص حتى ينتهي به إلى داره، وحتى يرد منه إلى أهل الدار شيئا عظيما جدا في أعين الناس حقيرا جدا في عين نفسه، وفي عين أهله، وهو هذه البقية التي تركها الصبا واللهو والخلاعة والمجون.
فإذا تقدم النهار وارتفع الضحى، وزالت الشمس أو كادت تزول، أفاقت هذه البقية البالية من نومها الثقيل الغليظ، وتلقاها عمال الترف أولئك الذين يجددون البالي، ويحسنون القبيح، ويقيمون المتهدم، ويردون الشباب إلى من فارقهم الشباب، وما هي إلا ساعات حتى تستأنف هذه البقايا البالية حياة جديدة فيها نشاط وقوة، وفيها جمال ونضرة، وفيها شوق مجدد إلى اللهو، وفيها نزوع مستأنف إلى المجون، ولا يكاد النهار يبلغ آخره حتى يخرج من هذه الدور أشخاص فيهم كثير من المرح، وكثير من الفتون، وكثير جدا من الجهل والغرور.
وإذا هؤلاء الأشخاص يلتقون في ناديهم الذي تعودوا أن يلتقوا فيه فتكون الدعابة الفاترة، وتكون الفكاهة الباردة، ويكون المزاح السخيف، ويكون الإقبال الفاتر على العبث الفاتر، وكلما تقدم الليل ازداد النشاط، واشتد المرح، وعظم الخطر من العربدة، وأخذ كل جسم من هذه الأجسام يصير ثوبا قد دخلت فيه نفس جنية طغى عليها الهوى، وجمحت بها الشهوة، واندفع بها حب الإثم إلى غير حد، وإذا هم يستأنفون ليلا كليلهم الماضي، ويستقبلون حياة ناعمة يائسة كحياتهم الماضية، ويعودون إلى دورهم مع الصبح بقايا محطمة لا تريد شيئا، ولا تقدر على شيء، ولا تصلح لشيء حتى يشتمل عليها النوم فيرد إليها شيئا من قوة، ثم يتناولها عمال الترف الذين يرفعون البالي، ويجددون القديم حتى يردوا هذه البقايا البالية أشخاصا قادرة مريدة، ولكنها لا تقدر إلا على الفساد، ولا تريد إلا الإثم والمجون.
Неизвестная страница