886

فظلوا ومنهم دمعه سابق له

وآخر يذري دمعة العين بالمهل

يعني: ومنهم من دمعه. وكما قال الله تبارك وتعالى:

وما منآ إلا له مقام معلوم

[الصافات: 164]، وإلى هذا المعنى كانت عامة أهل العربية من أهل البصرة يوجهون تأويل قوله: { من الذين هادوا يحرفون الكلم } غير أنهم كانوا يقولون: المضمر في ذلك «القوم»، كأن معناه عندهم: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، ويقولون: نظير قول النابغة:

كأنك من جمال بني أقيش

يقعقع خلف رجليه بشن

يعني: كأنك جمل من جمال أقيش. فأما نحويو الكوفة، فينكرون أن يكون المضمر مع «من» إلا «من«أو ما أشبهها. والقول الذي هو أولى بالصواب عندي في ذلك قول من قال قوله: { من الذين هادوا } من صلة الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، لأن الخبرين جميعا والصفتين من صفة نوع واحد من الناس، وهم اليهود الذين وصف الله صفتهم في قوله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب }. وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، فلا حاجة بالكلام إذ كان الأمر كذلك إلى أن يكون فيه متروك. وأما تأويل قوله : { يحرفون الكلم عن موضعه } فإنه يقول: يبدلون معناها ويغيرونها عن تأويله، والكلم جماع كلمة. وكان مجاهد يقول: عنى بالكلم: التوراة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { يحرفون الكلم عن موضعه }: تبديل اليهود التوراة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. وأما قوله: { عن موضعه } فإنه يعني: عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه. القول في تأويل قوله: { ويقولون سمعنا وعصينا }. يعني بذلك جل ثناؤه: من الذين هادوا يقولون: سمعنا يا محمد قولك، وعصينا أمرك.

كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد، في قوله: { سمعنا وعصينا } قال: قالت اليهود: سمعنا ما تقول، ولا نطيعك. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { سمعنا وعصينا } قالوا: قد سمعنا، ولكن لا نطيعك. القول في تأويل قوله تعالى: { واسمع غير مسمع }. وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالى مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره، أنهم كانوا يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يسبه: اسمع لا أسمعك الله. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { واسمع غير مسمع } قال: هذا قول أهل الكتاب يهود، كهيئة ما يقول الإنسان: اسمع لاسمعت، أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتما له واستهزاء. حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: { واسمع غير مسمع } قال: يقولون لك: واسمع لاسمعت. وقد روي عن مجاهد والحسن أنهما كانا يتأولان في ذلك بمعنى: واسمع غير مقبول منك. ولو كان ذلك معناه لقيل: واسمع غير مسموع، ولكن معناه: واسمع لاتسمع، ولكن قال الله تعالى ذكره: { ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين } فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم والطعن في الدين بسب النبي صلى الله عليه وسلم. وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد: { واسمع غير مسمع } يقول: غير مقبول ما تقول، فهو كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: { واسمع غير مسمع } قال: غير مستمع. قال ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: { واسمع غير مسمع }: غير مقبول ما تقول. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: { واسمع غير مسمع } قال: كما تقول: اسمع غير مسموع منك. وحدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: كان ناس منهم يقولون: { واسمع غير مسمع } كقولك: اسمع غير صاغ. القول في تأويل قوله تعالى: { ورعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين }. يعني بقوله: { ورعنا }: أي راعنا سمعك، افهم عنا وأفهمنا.

وقد بينا تأويل ذلك في سورة البقرة بأدلته بما فيه الكفاية عن إعادته. ثم أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: { ليا بألسنتهم } يعني: تحريكا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، واستخفافا منهم بحق النبي صلى الله عليه وسلم { وطعنا فى الدين }. كما: حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة: كانت اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك! يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة، فقال: راعنا سمعك ليا بألسنتهم واللي: تحريكهم ألسنتهم بذلك، { وطعنا فى الدين }. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { رعنا ليا بألسنتهم } كان الرجل من المشركين يقول: أرعني سمعك! يلوي بذلك لسانه، يعني: يحرف معناه. حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه }... إلى: { وطعنا فى الدين } فإنهم كانوا يستهزئون ويلوون ألسنتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويطعنون في الدين. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { ورعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين } قال: «راعنا» طعنهم في الدين، وليهم بألسنتهم ليبطلوه ويكذبوه. قال: والراعن: الخطأ من الكلام. حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر، أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: { ليا بألسنتهم } قال: تحريفا بالكذب. القول في تأويل قوله تعالى: { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم }. يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم قالوا لنبي لله: سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا، { لكان خيرا لهم وأقوم } يقول: لكان ذلك خيرا لهم عند الله وأقوم، يقول: وأعدل وأصوب في القول. وهو من الاستقامة من قول الله: { وأقوم قيلا } بمعنى: وأصوب قيلا. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم } قال: يقولون: اسمع منا فإنا قد سمعنا وأطعنا، وانظرنا فلا تعجل علينا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد، قوله: { وانظرنا } قال: اسمع منا. حدثنا القاسم، ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: { وانظرنا } قال: أفهمنا.

Неизвестная страница