Тафсир ат-Табари
جامع البيان في تفسير القرآن
وأما قوله { ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } فإنه كما بينا تأويله وبنحو ذلك كان أهل التأويل يقولون. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، ثنا ابن إسحاق: { والذين إذا فعلوا فحشة }: أي إن أتوا فاحشة { أو ظلموا أنفسهم } بمعصية ذكروا نهي الله عنها، وما حرم الله عنها، فاستغفروا لها، وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو. وأما قوله: { ومن يغفر الذنوب إلا الله } فإن اسم الله مرفوع، ولا جحد قبله، وإنما يرفع ما بعده إلا باتباعه ما قبله إذا كان نكرة ومعه جحد، كقول القائل: ما في الدار أحد إلا أخوك فأما إذا قيل: قام القوم إلا أباك، فإن وجه الكلام في الأب النصب. و «من» بصلته في قوله: { ومن يغفر الذنوب إلا الله } معرفة فإن ذلك إنما جاء رفعا، لأن معنى الكلام: وهل يغفر الذنوب أحد، أو ما يغفر الذنوب أحد إلا الله، فرفع ما بعد إلا من الله على تأويل الكلام، لا على لفظه. وأما قوله: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويل الإصرار ومعنى الكلمة فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يثبتوا على ما أتوا من الذنوب، ولم يقيموا عليه، ولكنهم تابوا واستغفروا، كما وصفهم الله به. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } فإياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدما، لا ينهاهم مخافة الله عن حرام حرمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك. حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } قال: قدما قدما في معاصي الله، لا ينهاهم مخافة الله حتى جاءهم أمر الله.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { لا يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون }: أي لم يقيموا على معصيتي، كفعل من أشرك بي فيما عملوا به من كفر بي. وقال آخرون: معنى ذلك: لم يواقعوا الذنب إذا هموا به. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: { ولم يصروا على ما فعلوا } قال: إتيان العبد ذنبا إصرارا حتى يتوب. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { ولم يصروا على ما فعلوا } قالوا: لم يواقعوا. وقال آخرون: معنى الإصرار: السكوت على الذنب، وترك الاستغفار. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون }: أما يصروا: فيسكتوا ولا يستغفروا. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا قول من قال: الإصرار الإقامة على الذنب عامدا، أو ترك التوبة منه. ولا معنى لقول من قال: الإصرار على الذنب: هو مواقعته لأن الله عز وجل مدح بترك الإصرار على الذنب مواقع الذنب، فقال: { والذين إذا فعلوا فحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } ولو كان المواقع الذنب مصرا بمواقعته إياه ، لم يكن للاستغفار وجه مفهوم، لأن الاستغفار من الذنب إنما هو التوبة منه والندم، ولا يعرف للاستغفار من ذنب لم يواقعه صاحبه وجه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة "
حدثني بذلك الحسين بن يزيد السبيعي، قال: ثنا عبد الحميد الحماني، عن عثمان بن واقد، عن أبي نصيرة، عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو كان مواقع الذنب مصرا، لم يكن لقوله
" ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة "
معنى، لأن مواقعة الذنب، إذا كانت هي الإصرار، فلا يزيل الاسم الذي لزمه معنى غيره، كما لا يزيل عن الزاني اسم زان، وعن القاتل اسم قاتل توبته منه، ولا معنى غيرها، وقد أبان هذا الخبر أن المستغفر من ذنبه غير مصر عليه، فمعلوم بذلك أن الإصرار غير الموقعة، وأنه المقام عليه على ما قلنا قبل. واختلف أهل التأويل في تأويل قولهم: { وهم يعلمون } فقال بعضهم: معناه: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما { وهم يعلمون }: فيعلمون أنهم قد أذنبوا، ثم أقاموا فلم يستغفروا. وقال آخرون: معنى ذلك: وهم يعلمون أن الذي أتوا معصية الله. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وهم يعلمون } قال: يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري. قال أبو جعفر: وقد تقدم بياننا أولى ذلك بالصواب.
[3.136]
يعني تعالى ذكره بقوله: أولئك الذين ذكر أنه أعد لهم الجنة التي عرضها السموات والأرض من المتقين، ووصفهم به، ثم قال: هؤلاء الذين هذه صفتهم { جزآؤهم } يعني ثوابهم من أعمالهم التي وصفهم تعالى ذكره أنهم عملوها، { مغفرة من ربهم } يقول: عفو لهم من الله عن عقوبتهم على ما سلف من ذنوبهم، ولهم على ما أطاعوا الله فيه من أعمالهم بالحسن منها جنات، وهي البساتين { تجرى من تحتها الأنهر } يقول: تجري خلال أشجارها الأنهار، وفي أسافلها جزاء لهم على صالح أعمالهم، { خلدين فيها } يعني دائمي المقام في هذه الجنات التي وصفها، { ونعم أجر العملين } يعني ونعم جزاء العاملين لله الجنات التي وصفها كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها ونعم أجر العملين }: أي ثواب المطيعين.
[3.137]
يعني بقوله تعالى ذكره: { قد خلت من قبلكم سنن } مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود، وقوم هود، وقوم لوط وغيرهم من سلاف الأمم قبلكم سنن، يعني ثلات سير بها فيهم وفيمن كذبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهل التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، ونزلت بساحتهم نقمتي، فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرا. { فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عقبة المكذبين } يقول: فسيروا أيها الظانون أن إدالتي من أدلت من أهل الشرك يوم أحد على محمد وأصحابه لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفر برسلي، وخالف أمري في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي، والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه عن خلافهم أمري، وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أن إدالتي من أدلت من المشركين على نبي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال، ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم، ثم إما أن يئول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا عباد، عن الحسن في قوله: { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عقبة المكذبين } فقال: ألم تسيروا في الأرض، فتنظروا كيف عذب الله قوم نوح، وقوم لوط، وقوم صالح، والأمم التي عذب الله عز وجل؟ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { قد خلت من قبلكم سنن } يقول: في الكفار والمؤمنين، والخير والشر. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { قد خلت من قبلكم سنن } في المؤمنين والكفار. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم يعني بالمسلمين يوم أحد والبلاء الذي أصابهم، والتمحيص لما كان فيهم، واتخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم، وتعريفا لهم فيما صنعوا وما هو صانع بهم: { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عقبة المكذبين } أي قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي: عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، فسيروا في الأرض تروا مثلات قد مضت فيهم، ولمن كان على مثل ما هم عليه من ذلك مني، وإن أمكنت لهم: أي لئلا يظنوا أن نقمتي انقطعت عن عدوهم وعدوي للدولة التي أدلتها عليكم بها لأبتليكم بذلك، لأعلم ما عندكم.
Неизвестная страница