Тафсир ат-Табари
جامع البيان في تفسير القرآن
في غائلات الحائر المتهته
وإنما أخبر الله عز وجل عن عيسى صلوات الله عليه، أنه يقول ذلك لبني إسرائيل، احتجاجا منه بهذه العبر والآيات عليهم في نبوته، وذلك أن الكمه والبرص لا علاج لهما، فيقدر على إبرائه ذو طب بعلاج، فكان ذلك من أدلته على صدق قيله، إنه لله رسول، لأنه من المعجزات مع سائر الآيات التي أعطاه الله إياها دلالة على نبوته. فأما ما قال عكرمة، من أن الكمه: العمش، وما قاله مجاهد: من أنه سوء البصر بالليل، فلا معنى لهما، لأن الله لا يحتج على خلقه بحجة تكون لهم السبيل إلى معارضته فيها، ولو كان مما احتج به عيسى على بني إسرائيل في نبوته أنه يبرىء الأعمش، أو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل لقدروا على معارضته بأن يقولوا: وما في هذا لك من الحجة، وفينا خلق مما يعالج ذلك وليسوا لله أنبياء ولا رسلا، ففي ذلك دلالة بينة على صحة ما قلنا من أن الأكمه: هو الأعمى الذي لا يبصر شيئا لا ليلا ولا نهارا، وهو بما قال قتادة: من أنه المولود كذلك أشبه، لأن علاج مثل ذلك لا يدعيه أحد من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاج الأبرص. القول في تأويل قوله تعالى: { وأحيى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم }. وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله، يدعو لهم، فيستجيب له. كما: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر أن اطلعي به إلى الشام، ففعلت الذي أمرت به فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه. قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله. وأما قوله: { وأنبئكم بما تأكلون } فإنه يعني: وأخبركم بما تأكلونه مما لم أعاينه وأشاهده معكم في وقت أكلكموه.
{ وما تدخرون }. يعني بذلك: وما ترفعونه فتخبئونه ولا تأكلونه، يعلمهم أن من حجته أيضا على نبوته مع المعجزات التي أعلمهم أنه يأتي بها حجة على نبوته وصدقه في خبره، أن الله أرسله إليهم: من خلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، التي لا يطيقها أحد من البشر، إلا من أعطاه الله ذلك، علما له على صدقه، وآية له على حقيقة قوله من أنبيائه ورسله، ومن أحب من خلقه إنباءه عن الغيب الذي لا سبيل لأحد من البشر الذين سبيلهم سبيله عليه. فإن قال قائل: وما كان في قوله لهم: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } من الحجة له على صدقه، وقد رأينا المتنجمة والمتكهنة تخبر بذلك كثيرا فتصيب؟ قيل: إن المتنجم والمتكهن معلوم منهما عند من يخبره بذلك أنهما ينبئان به عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه، ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله عليه، ومن سائر أنبياء الله ورسله، وإنما كان عيسى يخبر به عن غير استخراج ولا طلب لمعرفته باحتيال، ولكن ابتداء باعلام الله إياه من غير أصل تقدم ذلك احتذاه، أو بنى عليه أو فزع إليه، كما يفزع المتنجم إلى حسابه، والمتكهن إلى رئيه، فذلك هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها، وبين علم سائر المتكذبة على الله، أو المدعية علم ذلك. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما بلغ عيسى تسع سنين أو عشرا أو نحو ذلك، أدخلته أمه الكتاب فيما يزعمون، فكان عند رجل من المكتبين يعلمه كما يعلم الغلمان، فلا يذهب يعلمه شيئا مما يعلمه الغلمان إلا بدره إلى علمه قبل أن يعلمه إياه، فيقول: ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، ما أذهب أعلمه شيئا إلا وجدته أعلم به مني. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: لما كبر عيسى أسلمته أمه يتعلم التوراة، فكان يلعب مع الغلمان، غلمان القرية التي كان فيها، فيحدث الغلمان بما يصنع آباؤهم. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } قال: كان عيسى ابن مريم إذ كان في الكتاب يخبرهم بما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } قال: إن عيسى ابن مريم كان يقول للغلام في الكتاب: يا فلان إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من الطعام فتطعمني منه؟ فهكذا فعل الأنبياء وحججها إنما تأتي بما أتت به من الحجيج بما قد يوصل إليه من ذلك الوجه بحيلة إلا من قبل الله.
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن نجيح، عن مجاهد في قول الله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } قال: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه عيسى بن مريم يقوله. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبي رباح يعني قوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } قال: الطعام والشيء يدخرونه في بيوتهم غيبا علمه الله إياه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } قال: ما تأكلون: ما أكلتم البارحة من طعام، وما خبأتم منه. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: كان يعني عيسى ابن مريم يحدث الغلمان وهو معهم في الكتاب بما يصنع آباؤهم، وبما يرفعون لهم، وبما يأكلون ويقول للغلام: انطلق فقد رفع لك أهلك كذا وكذا، وهم يأكلون كذا وكذا، فينطلق الصبي فيبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا ؟ فيقول: عيسى، فذلك قول الله عز وجل: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليس هم ههنا، فقال: ما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون! ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك قوله: { على لسان داوود وعيسى ابن مريم }. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: { وما تدخرون فى بيوتكم } قال: ما تخبئون مخافة الذي يمسك أن لا يخلفه شيء. وقال آخرون: إنما عنى بقوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم }: ما تأكلون من المائدة التي تنزل عليكم، وما تدخرون منها. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } فكان القوم لما سألوا المائدة، فكانت جرابا ينزل عليه أينما كانوا ثمرا من ثمار الجنة، فأمر القوم أن لا يخونوا فيه، ولا يخبئوا، ولا يدخروا لغد، بلاء ابتلاهم الله به، فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئا أنبأهم به عيسى ابن مريم، فقال: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم }.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون } قال: أنبئكم بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها. قال: فكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا، فادخروا وخانوا، فجعلوا خنازير حين ادخروا وخانوا، فذلك قوله: { فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العلمين }. قال ابن يحيى: قال عبد الرزاق: قال معمر، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر ذلك. وأصل يدخرون من الفعل يفتعلون، من قول القائل: ذخرت الشيء بالذال، فأنا أذخره، ثم قيل: يدخر كما قيل: يدكر، من ذكرت الشيء، يراد به يذتخر، فلما اجتمعت الذال والتاء وهما متقاربتا المخرج، ثقل إظهارهما على اللسان، فأدغمت إحداهما في الأخرى وصيرتا دالا مشددة صيروها عدلا بين الذال والتاء، ومن العرب من يغلب الذال على التاء فيدغم التاء في الذال، فيقول: وما تذخرون وهو مذخر لك، وهو مذكر، واللغة التي بها القراءة الأولى، وذلك إدغام الذال في التاء، وإبدالهما دالا مشددة لا يجوز القراءة بغيرها لتظاهر النقل من القراء بها، وهو اللغة الجودى، كما قال زهير:
إن الكريم الذي يعطيك نائله
عفوا ويظلم أحيانا فيظلم
يروى بالظاء، يريد: فيفتعل من الظلم، ويروى بالطاء أيضا. القول في تأويل قوله تعالى: { إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين }. يعني بذلك جل ثناؤه: إن في خلقي من الطين الطير بإذن الله، وفي إبرائي الأكمه والأبرص، وإحيائي الموتى، وإنبائي إياكم بما تأكلون، وما تدخرون في بيوتكم، ابتداء من غير حساب وتنجيم، ولا كهانة وعرافة، لعبرة لكم، ومتفكرا تتفكرون في ذلك، فتعتبرون به أني محق في قولي لكم: إني رسول من ربكم إليكم، وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق، إن كنتم مؤمنين، يعني: إن كنتم مصدقين حجج الله وآياته، مقرين بتوحيده ونبيه موسى، والتوراة التي جاءكم بها.
[3.50-51]
يعني بذلك جل ثناؤه: وبأني قد جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدقا لما بين يدي من التوراة، ولذلك نصب «مصدقا» على الحال من جئتكم. والذي يدل على أنه نصب على قوله وجئتكم دون العطف على قوله: «وجيها»، قوله: { لما بين يدى من التوراة } ولو كان عطفا على قوله: «وجيها»، لكان الكلام: ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وليحل لكم بعض الذي حرم عليكم. وإنما قيل: { ومصدقا لما بين يدى من التوراة } لأن عيسى صلوات الله عليه كان مؤمنا بالتوراة مقرا بها، وأنها من عند الله، وكذلك الأنبياء كلهم يصدقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم لمخالفة الله بينهم في ذلك، مع أن عيسى كان فيما بلغنا عاملا بالتوراة، لم يخالف شيئا من أحكامها إلا ما خفف الله عن أهلها في الإنجيل مما كان مشددا عليهم فيها. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن عيسى كان على شريعة موسى عليه وسلم، وكان يسبت ويستقبل بيت المقدس، فقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وأضع عنكم من الآصار. حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ومصدقا لما بين يدى من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والحيتان. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: { ومصدقا لما بين يدى من التوراة ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم } قال: كان الذي جاء به عيسى ألين من الذي جاء به موسى، قال: وكان حرم عليهم فيما جاء به موسى من التوراة لحوم الإبل والثروب فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرمت عليهم الشحوم، وأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير مما لا صيصية له، وفي أشياء حرمها عليهم، وشددها عليهم، فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل، فكان الذي جاء به عيسى ألين من الذي جاء به موسى، صلوات الله عليه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم } قال: لحوم الإبل والشحوم لما بعث عيسى أحلها لهم، وبعث إلى اليهود فاختلفوا وتفرقوا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { ومصدقا لما بين يدى من التوراة } أي لما سبقني منها، { ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم } أي أخبركم أنه كان حراما عليكم، فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفا عنكم، فتصيبون يسره وتخرجون من تباعته.
Неизвестная страница