634

القول في تأويل قوله تعالى: { يرونهم مثليهم رأى العين }. اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته قراء أهل المدينة: «ترونهم» بالتاء، بمعنى: قد كان لكم أيها اليهود آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، والأخرى كافرة، ترون المشركين مثلي المسلمين رأي العين. يريد بذلك عظتهم. يقول: إن لكم عبرة أيها اليهود فيما رأيتم من قلة عدد المسلمين، وكثرة عدد المشركين، وظفر هؤلاء مع قلة عددهم بهؤلاء مع كثرة عددهم. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وبعض المكيين : { يرونهم مثليهم } بالياء، بمعنى: يرى المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله الجماعة الكافرة مثلي المسلمين في القدر. فتأويل الآية على قراءتهم: قد كان لكم يا معشر اليهود عبرة ومتفكر في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يرى هؤلاء المسلمون مع قلة عددهم هؤلاء المشركين في كثرة عددهم. فإن قال قائل: وما وجه تأويل قراءة من قرأ ذلك بالياء، وأي الفئتين رأت صاحبتها مثليها؟ الفئة المسلمة هي التي رأت المشركة مثليها، أم المشركة هي التي رأت المسلمة كذلك، أم غيرهما رأت إحداهما كذلك؟ قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: الفئة التي رأت الأخرى مثلي أنفسها الفئة المسلمة، رأت عدد الفئة المشركة مثلي عدد الفئة المسلمة، قللها الله عز وجل في أعينها حتى رأتها مثلي عدد أنفسها، ثم قللها في حال أخرى، فرأتها مثل عدد أنفسها. ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود: { قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين } قال: هذا يوم بدر، قال عبد الله بن مسعود: قد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا، وذلك قول الله عز وجل:

وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم

[الأنفال: 44]. فمعنى الآية على هذا التأويل: قد كان لكم يا معشر اليهود آية في فئتين التقتا: إحداهما مسلمة، والأخرى كافرة، كثير عدد الكافرة، قليل عدد المسلمة، ترى الفئة القليل عددها، الكثير عددها أمثالا لها أنها تكثرها من العدد بمثل واحد، فهم يرونهم مثليهم، فيكون أحد المثلين عند ذلك، العدد الذي هو مثل عدد الفئة التي رأتهم، والمثل الآخر: الضعف الزائد على عددهم، فهذا أحد معنيي التقليل الذي أخبر الله عز وجل المؤمنين أنه قللهم في أعينهم والمعنى الآخر منه: التقليل الثاني على ما قاله ابن مسعود، وهو أن أراهم عدد المشركين مثل عددهم لا يزيدون عليهم، فذلك التقليل الثاني الذي قال الله جل ثناؤه:

وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا

[الأنفال: 44].وقال آخرون من أهل هذه المقالة: إن الذين رأوا المشركين مثلي أنفسهم هم المسلمون، غير أن المسلمين رأوهم على ما كانوا به من عددهم، لم يقللوا في أعينهم، ولكن الله أيدهم بنصره. قالوا: ولذلك قال الله عز وجل لليهود: قد كان لكم فيهم عبرة يخوفهم بذلك أن يحل بهم منهم، مثل الذي حل بأهل بدر على أيديهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة }. أنزلت في التخفيف يوم بدر، فإن المؤمنين كانوا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وكان المشركون مثليهم، فأنزل الله عز وجل: { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين } وكان المشركون ستة وعشرين وستمائة، فأيد الله المؤمنين، فكان هذا الذي في التخفيف على المؤمنين. وهذه الرواية خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن عدة المشركين يوم بدر، وذلك أن الناس إنما اختلفوا في عددهم على وجهين، فقال بعضهم: كان عددهم ألفا، وقال بعضهم: ما بين التسعمائة إلى الألف. ذكر من قال كان عددهم ألفا: حدثني هارون بن إسحاق الهمداني، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي، قال: سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين، منهم رجل من قريش، ومولى لعقبة بن أبي معيط فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة، فأخذناه، فجعلنا نقول: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير شديد بأسهم. فجعل المسلمون إذا قال ذلك صدقوه، حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له:

" «كم القوم؟» فقال: هم والله كثير شديد بأسهم. فجهد النبي صلى الله عليه وسلم على أن يخبرهم كم هم، فأبى. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: «كم تنحرون من الجزر؟» قال: عشرة كل يوم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القوم ألف» ".

حدثني أبو سعيد بن يوشع البغدادي، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبد الله، قال: أسرنا رجلا منهم يعني من المشركين يوم بدر فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا. ذكر من قال: كان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: ثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم نفرا من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية من قريش فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاص، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما:

" «كم القوم؟» قالا: كثير. قال: «ما عدتهم؟» قالا: لا ندري. قال: «كم تنحرون كل يوم؟» قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف» "

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأىالعين } ذلكم يوم بدر ألف المشركون، أو قاربوا، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا فئة } إلى قوله: { رأى العين } قال: يضعفون عليهم فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين يوم بدر. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين } قال: كان ذلك يوم بدر، وكان المشركون تسعمائة وخمسين، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وثلاثة عشر. حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر، والمشركون ما بين التسعمائة إلى الألف. فكل هؤلاء الذين ذكرنا مخالفون القول الذي رويناه عن ابن عباس في عدد المشركين يوم بدر. فإذا كان ما قاله من حكيناه ممن ذكر أن عددهم كان زائدا على التسعمائة، فالتأويل الأول الذي قلناه على الرواية التي روينا عن ابن مسعود أولى بتأويل الآية. وقال آخرون: كان عدد المشركين زائدا على التسعمائة، فرأى المسلمون عددهم على غير ما كانوا به من العدد، وقالوا: أرى الله المسلمين عدد المشركين قليلا آية للمسلمين. قالوا: وإنما عنى الله عز وجل بقوله: { يرونهم مثليهم } المخاطبين بقوله: { قد كان لكم آية في فئتين } قالوا: وهم اليهود غير أنه رجع من المخاطبة إلى الخبر عن الغائب، لأنه أمر من الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك لهم، فحسن أن يخاطب مرة، ويخبر عنهم على وجه الخبر مرة أخرى، كما قال:

حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة

Неизвестная страница