580

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الانهر }... الآية. يقول: أصابها ريح فيها سموم شديدة، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون، فهذا مثل. فاعقلوا عن الله جل وعز أمثاله، فإنه قال:

وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العلمون

[العنكبوت: 43]. هذا رجل كبرت سنة ودق عظمه وكثر عياله، ثم احترقت جنته على بقية ذلك كأحوج ما يكون إليه. يقول: أيحب أحدكم أن يضل عنه عمله يوم القيامة كأحوج ما يكون إليه؟ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { أيود أحدكم أن تكون له جنة } إلى قوله: { فاحترقت } يقول: فذهبت جنته كأحوج ما كان إليها حين كبرت سنه وضعف عن الكسب، وله ذرية ضعفاء لا ينفعونه. قال: وكان الحسن يقول: فاحترقت فذهبت أحوج ما كان إليها، فذلك قوله: أيود أحدكم أن يذهب عمله أحوج ما كان إليه. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ضرب الله مثلا حسنا، وكل أمثاله حسن تبارك وتعالى. وقال: قال أيوب. { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل } إلى قوله: { فيها من كل الثمرت } يقول: صنعه في شبيبته فأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار، فأحرق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون عليه. وكذلك الكافر يوم القيامة إذا رد إلى الله تعالى ليس له خير فيستعتب كما ليس له قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجد خيرا قدم لنفسه يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه كما حرم هذا جنته عند أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته. وهو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فيما أوتيا في الدنيا، كيف نجى المؤمن في الآخرة، وذخر له من الكرامة والنعيم، وخزن عنه المال في الدنيا، وبسط للكافر في الدنيا من المال ما هو منقطع، وخزن له من الشر ما ليس بمفارقه أبدا ويخلد فيها مهانا، من أجل أنه فخر على صاحبه ووثق بما عنده ولم يستيقن أنه ملاق ربه. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { أيود أحدكم أن تكون له جنة }... الآية. قال: هذا مثل ضربه الله { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب فيها من كل الثمرت } والرجل قد كبر سنه وضعف وله أولاد صغار، وابتلاهم الله في جنتهم، فبعث الله عليها إعصارا فيه نار فاحترقت، فلم يستطع الرجل أن يدفع عن جنته من الكبر، ولا ولده لصغرهم، فذهبت جنته أحوج ما كان إليها.

يقول: أيحب أحدكم أن يعيش في الضلالة والمعاصي حتى يأتيه الموت، فيجيء يوم القيامة قد ضل عنه عمله أحوج ما كان إليه، فيقول ابن آدم: أتيتني أحوج ما كنت قط إلى خير، فأين ما قدمت لنفسك؟ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ قول الله عز وجل

يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى

[البقرة: 264] ثم ضرب ذلك مثلا، فقال: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } حتى بلغ { فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت } قال: جرت أنهارها وثمارها، وله ذرية ضعفاء، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، أيود أحدكم هذا؟ فما يحمل أحدكم أن يخرج من صدقته ونفقته حتى إذا كان له عندي جنة وجرت أنهارها وثمارها، وكانت لولده وولد ولده أصابها ريح إعصار فحرقها. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الانهر } رجل غرس بستانا فيه من كل الثمرات، فأصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، فلا يستطيع أن يدفع عن بستانه من كبره، ولم يستطع ذريته أن يدفعوا عن بستانه، فذهبت معيشته ومعيشة ذريته. فهذا مثل ضربه الله للكافر، يقول: يلقاني يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إلى خير يصيبه، فلا يجد له عندي خيرا ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه من عذاب الله شيئا. وإنما دللنا أن الذي هو أولى بتأويل ذلك ما ذكرناه، لأن الله جل ثناؤه تقدم إلى عباده المؤمنين بالنهي عن المن والأذى في صدقاتهم. ثم ضرب مثلا لمن من وآذى من تصدق عليه بصدقة، فمثله بالمرائي من المنافقين، المنفقين أموالهم رياء الناس. وكانت قصة هذه الآية وما قبلها من المثل نظيرة ما ضرب لهم من المثل قبلها، فكان إلحاقها بنظيرتها أولى من حمل تأويلها على أنه مثل ما لم يجر له ذكر قبلها ولا معها. فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: { وأصابه الكبر } وهو فعل ماض فعطف به على قوله { أيود أحدكم }؟ قيل إن ذلك كذلك، لأن قوله: { أيود } يصح أن يوضع فيه «لو» مكان «أن» فلما صلحت بلو وأن ومعناهما جميعا الاستقبال، استجازت العرب أن يردوا «فعل» بتأويل «لو» على «يفعل» مع «أن»، فلذلك قال: فأصابها، وهو في مذهبه بمنزلة «لو» إذا ضارعت «أن» في معنى الجزاء، فوضعت في مواضعها، وأجيبت «أن» بجواب «لو» و«لو» بجواب «أن، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة من نخيل وأعناب، تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر.

فإن قال: وكيف قيل ههنا: وله ذرية ضعفاء؟ وقال في النساء:

وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفا

[النساء: 9]؟ قيل: لأن «فعيلا» يجمع على «فعلاء» و«فعال»، فيقال: رجل ظريف من قوم ظرفاء وظراف. وأما الإعصار: فإنه الريح العاصف، تهب من الأرض إلى السماء كأنها عمود، تجمع أعاصير ومنه قول يزيد بن مفرغ الحميري:

أناس أجارونا فكان جوارهم

Неизвестная страница