550

فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين

[البقرة: 246] قال: أوحى الله إلى نبيهم إن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت، ومن علامته هذا القرن تضعه على رأسه، فيفيض ماء. فأتاه فقال: إن الله أوحى إلي أن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت، فقال: نعم يا نبي الله، قال: فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري، وفيهم رجل بارع عليهم، فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا، فيقول لذلك الجسيم: ارجع فيرده عليه، فأوحى الله إليه: إنا لا نأخذ الرجال على صورهم، ولكن نأخذهم على صلاح قلوبهم، قال: يا رب قد زعم أنه ليس له ولد غيره، فقال: كذب، فقال: إن ربي قد كذبك، وقال: إن لك ولدا غيرهم، فقال: صدق يا نبي الله، لي ولد قصير استحييت أن يراه الناس، فجعلته في الغنم، قال: فإين هو؟ قال في شعب كذا وكذا من جبل كذا وكذا، فخرج إليه، فوجد الوادي قد سال بينه وبين التي كان يريح إليها قال: ووجده يحمل شاتين يجيز بهما، ولا يخوض بهما السيل، فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم، قال: فوضع القرن على رأسه ففاض، فقال له: ابن أخي هل رأيت ها هنا من شيء يعجبك؟ قال: نعم إذا سبحت، سبحت معي الجبال، وإذا أتى النمر أو الذئب أو السبع أخذ شاة قمت إليه، فأفتح لحييه عنها فلا يهيجني، وألفى معه صفنه، قال: فمر بثلاثة أحجار يأثر بعضها على بعض: كل واحد منها يقول: أنا الذي يأخذ، ويقول هذا: لا بل إياي يأخذ، ويقول الآخر مثل ذلك، قال: فأخذهن جميعا، فطرحهن في صفنه فلما جاء مع النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا قال لهم نبيهم:

إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا

[البقرة: 247] فكان من قصة نبيهم وقصتهم ما ذكر الله في كتابه، وقرأ حتى بلغ:

والله مع الصابرين

[249] قال: واجتمع أمرهم وكانوا جميعا، وقرأ:

وانصرنا على القوم الكافرين

[البقرة: 250] وبرز جالوت على برذون له أبلق، في يده قوس ونشاب، فقال: من يبرز؟ أبرزوا إلي رأسكم، قال: ففظع به طالوت، قال: فالتفت إلى أصحابه فقال: من رجل يكفيني اليوم جالوت، فقال داود أنا، فقال تعال، قال: فنزع درعا له، فألبسه إياها، قال: ونفخ الله من روحه فيه حتى ملأه، قال: فرمي بنشابة، فوضعها في الدرع، قال: فكسرها داود ولم تضره شيئا ثلاث مرات، ثم قال له: خذ الآن، فقال داود: اللهم اجعله حجرا واحدا، قال: وسمى واحدا إبراهيم، وآخر إسحاق، وآخر يعقوب، قال: فجمعهن جميعا فكن حجرا واحدا، قال: فأخذهن وأخذ مقلاعا، فأدارها ليرمي بها، فقال: أترميني كما ترمي السبع والذئب، ارمني بالقوس، قال: لا أرميك اليوم إلا بها، فقال له مثل ذلك أيضا، فقال نعم، وأنت أهون علي من الذئب، فأدارها وفيها أمر الله وسلطان الله، قال: فخلى سبيلها مأمورة، قال: فجاءت مظلة فضربت بين عينيه حتى خرجت من قفاه، ثم قتلت من أصحابه وراءه كذا وكذا، وهزمهم الله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: لما قطعوا ذلك، يعني النهر الذي قال الله فيه مخبرا عن قيل طالت لجنوده: { إن الله مبتليكم بنهر } وجاء جالوت وشق على طالوت قتاله، فقال طالوت للناس: لو أن جالوت قتل أعطيت الذي يقتله نصف ملكي، وناصفته كل شيء أملكه، فبعث الله داود، وداود يومئذ في الجبل راعي غنم، وقد غزا مع طالوت تسعة إخوة لداود، وهم أند منه وأعتى منه، وأعرف في الناس منه، وأوجه عند طالوت منه، فغزوا وتركوه في غنمهم، فقال داود حين ألقى الله في نفسه ما ألقى وأكرمه: لأستودعن ربي غنمي اليوم، ولآتين الناس، فلأنظرن ما الذي بلغني من قول الملك لمن قتل جالوت، فأتى داود إخوته، فلاموه حين أتاهم، فقالوا: لم جئت؟ قال: لأقتل جالوت، فإن الله أن قادر أقتله، فسخروا منه. قال ابن جريج: قال مجاهد: كان بعث أبو داود مع داود بشيء إلى آخوته، فأخذ مخلاة فجعل فيها ثلاث مروات، ثم سماهن إبراهيم وإسحاق ويعقوب. قال ابن جريج: قالوا: وهو ضعيف رث الحال، فمر بثلاثة أحجار، فقلن له: خذنا يا داود فقاتل بنا جالوت. فأخذهن داود وألقاهن في مخلاته، فلما ألقاهن سمع حجرا منهن يقول لصاحبه: أنا حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا وكذا وقال الثاني: أنا حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا وكذا وقال الثالث: أنا حجر داود الذي أقتل جالوت، فقال الحجران: يا حجر داود نحن أعوان لك، فصرن حجرا واحدا وقال الحجر: يا داود اقذف بي فإني سأستعين بالريح، وكانت بيضته فيما يقولون والله أعلم فيها ستمائة رطل، فأقع في رأس جالوت فأقتله.

قال ابن جريج: وقال مجاهد: سمى واحدا إبراهيم، والآخر إسحاق، والآخر يعقوب، وقال: باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وجعلهن في مرجمته. قال ابن جريج: فانطلق حتى نفذ إلى طالوت، فقال: إنك قد جعلت لمن قتل جالوت نصف ملكك ونصف كل شيء تملكه. أفلي ذلك إن قتلته؟ قال: نعم، والناس يستهزءون بداود، وإخوة داود أشد من هنالك عليه، وكان طالوت لا ينتدب إليه أحد زعم أنه يقتل جالوت إلا ألبسه درعا عنده، فإذا لم تكن قدرا عليه نزعها عنه، وكانت درعا سابغة من دروع طالوت، فألبسها داود فلما رأى قدرها عليه أمره أن يتقدم، فتقدم داود، فقام مقاما لا يقوم فيه أحد وعليه الدرع، فقال له جالوت: ويحك من أنت إني أرحمك، ليتقدم إلي غيرك من هذه الملوك، أنت إنسان ضعيف مسكين، فارجع، فقال داود: أنا الذي أقتلك بإذن الله، ولن أرجع حتى أقتلك، فلما أبى داود إلا قتاله، تقدم جالوت إليه ليأخذه بيده مقتدرا عليه، فأخرج الحجر من المخلاة، فدعا ربه، ورماه بالحجر، فألقت الريح بيضته عن رأسه، فوقع الحجر في رأس جالوت حتى دخل في جوفه، فقتله. قال ابن جريج: وقال مجاهد: لما رمى جالوت بالحجر خرق ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه، وقتلت من ورائه ثلاثين ألفا، قال الله تعالى: { وقتل داود جالوت } فقال داود لطالوت: وف بما جعلت، فأبى طالوت أن يعطيه ذلك، فانطلق داود، فسكن مدينة من مدائن بني إسرائيل، حتى مات طالوت فلما مات عمد بنو إسرائيل إلى داود، فجاؤا به، فملكوه، وأعطوه خزائن طالوت، وقالوا: لم يقتل جالوت إلا نبي، قال الله: { وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء }. القول في تأويل قوله تعالى: { وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء }. يعني تعالى ذكره بذلك: وأعطى الله داود الملك والحكمة وعلمه مما يشاء. والهاء في قوله: { وآتاه الله } عائدة على داود والملك السلطان والحكمة النبوة. وقوله: { وعلمه مما يشاء } يعني علمه صنعة الدروع، والتقدير في السرد، كما قال الله تعالى ذكره: وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم. وقد قيل: إن معنى قوله: { وآتاه الله الملك والحكمة } أن الله آتى داود ملك طالوت ونبوة أشمويل. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: ملك داود بعدما قتل طالوت، وجعله الله نبيا، وذلك قوله: { وآتاه الله الملك والحكمة } قال: الحكمة: هي النبوة، آتاه نبوة شمعون، وملك طالوت. القول في تأويل قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العلمين } يعني تعالى ذكره بذلك: ولولا أن الله يدفع ببعض الناس، وهم أهل الطاعة له والإيمان به، بعضا وهم أهل المعصية لله، والشرك به، كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداء من بعثة ملك عليهم ليجاهدوا معه في سبيله بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر، جالوت وجنوده، لفسدت الأرض، يعني لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم، ففسدت بذلك الأرض، ولكن الله ذو من على خلقه، وتطول عليهم بدفعه بالبر من خلقه عن الفاجر، وبالمطيع عن العاصي منهم، وبالمؤمن عن الكافر.

وهذه الآية إعلام من الله تعالى ذكره أهل النفاق الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخلفين عن مشاهده والجهاد معه للشك الذي في نفوسهم ومرض قلوبهم والمشركين وأهل الكفر منهم، وأنه إنما يدفع عنهم معاجلتهم العقوبة، على كفرهم ونفاقهم بإيمان المؤمنين به وبرسوله، الذين هم أهل البصائر، والجد في أمر الله، وذوو اليقين بإنجاز الله إياهم وعده على جهاد أعدائه، وأعداء رسوله من النصر في العاجل، والفوز بجنانه في الآخرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمر، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجحي، عن مجاهد في قول الله: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } يقول: ولولا دفع الله بالبار عن الفاجر، ودفعه ببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لفسدت الأرض بهلاك أهلها. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } يقول: ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر، وببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لهلك أهلها. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن حنظلة، عن أبي مسلم، قال: سمعت عليا يقول: لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } يقول: لهلك من في الأرض. حدثنا أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا حفص بن سليمان، عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

Неизвестная страница