500

ثم قال لهم تعالى ذكره: هذه الأشياء التي بينت لكم حلالها من حرامها حدودي، يعني به: معالم فصول ما بين طاعتي ومعصيتي فلا تعتدوها يقول: فلا تتجاوزوا ما أحللته لكم إلى ما حرمته عليكم، وما أمرتكم به إلى ما نهيتكم عنه، ولا طاعتي إلى معصيتي، فإن من تعدى ذلك يعني من تخطاه وتجاوزه إلى ما حرمت عليه أو نهيته، فإنه هو الظالم، وهو الذي فعل ما ليس له فعله، ووضع الشيء في غير موضعه. وقد دللنا فيما مضى على معنى الظلم وأصله بشواهده الدالة على معناه، فكرهنا إعادته في هذا الموضع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن خالفت ألفاظ تأويلهم ألفاظ تأويلنا، غير أن معنى ما قالوا في ذلك [يرجع] إلى معنى ما قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { تلك حدود الله فلا تعتدوها } يعني بالحدود: الطاعة. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: { تلك حدود الله فلا تعتدوها } يقول: من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم نفسه، ومن يتعد حدود الله، فأولئك هم الظالمون. قال أبو جعفر: وهذا الذي ذكر عن الضحاك لا معنى له في هذا الموضع، لأنه لم يجر للطلاق في العدة ذكر، فيقال: تلك حدود الله، وإنما جرى ذكر العدد الذي يكون للمطلق فيه الرجعة، والذي لا يكون له فيه الرجعة دون ذكر البيان عن الطلاق للعدة.

[2.230]

اختلف أهل التأويل فيما دل عليه هذا القول من الله تعالى ذكره فقال بعضهم: دل على أنه إن طلق الرجل امرأته التطليقة الثالثة بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما:

الطلق مرتان

[البقرة: 229] فإن امرأته تلك لا تحل له بعد التطليقة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، يعني به غير المطلق. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: جعل الله الطلاق ثلاثا، فإذا طلقها واحدة فهو أحق بها ما لم تنقض العدة، وعدتها ثلاث حيض، فإن انقضت العدة قبل أن يكون راجعها فقد بانت منه، وصارت أحق بنفسها، وصار خاطبا من الخطاب، فكان الرجل إذا أراد طلاق أهله نظر حيضتها، حتى إذا طهرت طلقها تطليقة في قبل عدتها عند شاهدي عدل، فإن بدا له مراجعتها راجعها ما كانت في عدتها، وإن تركها حتى تنقضي عدتها فقد بانت منه بواحدة، وإن بدا له طلاقها بعد الواحدة وهي في عدتها نظر حيضتها، حتى إذا طهرت طلقها تطليقة أخرى في قبل عدتها، فإن بدا له مراجعتها راجعها، فكانت عنده على واحدة، وإن بدا له طلاقها طلقها الثالثة عند طهرها، فهذه الثالثة التي قال الله تعالى ذكره: { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره }. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } يقول: إن طلقها ثلاثا، فلا تحل حتى تنكح زوجا غيره. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: إذا طلق واحدة أو ثنتين فله الرجعة ما لم تنقض العدة، قال: والثالثة قوله: { فإن طلقها } يعني بالثالثة فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره. حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، بنحوه. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فإن طلقها } بعد التطليقتين فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، وهذه الثالثة. وقال آخرون: بل دل هذا القول على ما يلزم مسرح امرأته بإحسان بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما:

الطلق مرتان

[البقرة: 229]. قالوا: وإنما بين الله تعالى ذكره بهذا القول عن حكم قوله:

أو تسريح بإحسن

[البقرة: 229] وأعلم أنه إن سرح الرجل امرأته بعد التطليقتين فلا تحل له المسرحة كذلك إلا بعد زوج. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } قال: عاد إلى قوله:

فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن

Неизвестная страница