Тафсир ат-Табари
جامع البيان في تفسير القرآن
والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره: { فأتوا حرثكم أنى شئتم } كيف شئتم، أو تأوله بمعنى حيث شئتم، أو بمعنى متى شئتم، أو بمعنى أين شئتم أن قائلا لو قال لآخر: أنى تأتي أهلك؟ لكان الجواب أن يقول: من قبلها أو من دبرها، كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذ سئلت:
أنى لك هذا
[آل عمران: 37] أنها قالت:
" هو من عند الله "
وإذ كان ذلك هو الجواب، فمعلوم أن معنى قول الله تعالى ذكره: { فأتوا حرثكم أنى شئتم } إنما هو: فأتوا حرثكم من حيث شئتم من وجوه المأتي، وأن ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل. وإذ كان ذلك هو الصحيح، فبين خطأ قول من زعم أن قوله: { فأتوا حرثكم أنى شئتم } دليل على إباحة إتيان النساء في الأدبار، لأن الدبر لا يحترث فيه، وإنما قال تعالى ذكره: { حرث لكم } فأتوا الحرث من أي وجوهه شئتم، وأي محترث في الدبر فيقال ائته من وجهه. وتبين بما بينا صحة معنى ما روي عن جابر وابن عباس من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين إذا أتى الرجل المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول. القول في تأويل قوله تعالى: { وقدموا لأنفسكم }. اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: قدموا لأنفسكم الخير. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، أما قوله: { وقدموا لأنفسكم } فالخير. وقال آخرون: بل معنى ذلك { وقدموا لأنفسكم } ذكر الله عند الجماع وإتيان الحرث قبل إتيانه ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن عطاء، قال: أراه عن ابن عباس: { وقدموا لأنفسكم } قال: التسمية عند الجماع يقول بسم الله. والذي هو أولى بتأويل الآية، ما روينا عن السدي، وهو أن قوله: { وقدموا لأنفسكم } أمر من الله تعالى ذكره عباده بتقديم الخير، والصالح من الأعمال ليوم معادهم إلى ربهم، عدة منهم ذلك لأنفسهم عند لقائه في موقف الحساب، فإنه قال تعالى ذكره:
وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله
[البقرة: 110] وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله تعالى ذكره عقب قوله: { وقدموا لأنفسكم } بالأمر باتقائه في ركوب معاصيه، فكان الذي هو أولى بأن يكون الذي قبل التهديد على المعصية عاما الأمر بالطاعة عاما. فإن قال لنا قائل: وما وجه الأمر بالطاعة بقوله: { وقدموا لأنفسكم } من قوله: { نساوكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم }؟ قيل: إن ذلك لم يقصد به ما توهمته، وإنما عنى به وقدموا لأنفسكم من الخيرات التي ندبناكم إليها بقولنا:
يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين
[البقرة: 215] وما بعده من سائر ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجيبوا عنه مما ذكره الله تعالى ذكره في هذه الآيات، ثم قال تعالى ذكره: قد بينا لكم ما فيه رشدكم وهدايتكم إلى ما يرضي ربكم عنكم، فقدموا لأنفسكم الخير الذي أمركم به، واتخذوا عنده به عهدا لتجدوه لديه إذا لقيتموه في معادكم، واتقوه في معاصيه أن تقربوها وفي حدوده أن تضيعوها، واعلموا أنكم لا محالة ملاقوه في معادكم، فمجاز المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته. القول في تأويل قوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين }. وهذا تحذير من الله تعالى ذكره عباده أن يأتوا شيئا مما نهاهم عنه من معاصيه، وتخويف لهم عقابه عند لقائه، كما قد بينا قبل، وأمر لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يبشر من عباده بالفوز يوم القيامة، وبكرامة الآخرة، وبالخلود في الجنة من كان منهم محسنا مؤمنا بكتبه ورسله وبلقائه، مصدقا إيمانه قولا بعمله ما أمره به ربه، وافترض عليه من فرائضه فيما ألزمه من حقوقه، وبتجنبه ما أمره بتجنبه من معاصيه.
[2.224]
Неизвестная страница