Истилям

الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة

Редактор

د. نايف بن نافع العمري

Издатель

دار المنار للطبع والنشر والتوزيع

Издание

الأولى

Год публикации

ما بين

Место издания

القاهرة

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام شيخ الإسلام قدس الله روحه ونور ضريحه: بالله أستعين، وإياه أحمد، وعليه أتوكل، ومنه استهدي، وبه ألوذ، وفيه أجاهد، له الفضل والثناء الأسنى، وله الصفات العلى والأسماء الحسنى، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، وأعذنا من هواجس أنفسنا، ومضلات أرائنا وخواطرنا، وأمدنا بلطفك العزيز، وأقبل علينا بوجهك الكريم (اللهم اجعل صدري خزانة توحيدك، ولساني مفتاح تمجيدك، وجوارحي في حرم طاعتك، فإنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا أمن إلا في الخوف منك، ولا قرر إلا في القلق نحوك، ولا روح إلا في الكرب لوجهك، ولا راحة إلا في الرضا بقسمتك، ولا عيش إلا في جوار المقربين عندك)، اللهم اجعل سعينا فيما يقرب إليك، وكدنا فيما يوجب رضاك، وقد بزمامنا من حولنا وقوتنا على حولك وقوتك، وأهدنا الأرشد والأوفق فالأوفق والألطف فالألطف.
اللهم ونسألك أن تهدي إلى رسولك وصفيك وخيرتك من خلقك من الصلوات أفضلها وأزكاها، وأتمها، وأنماها وأعدلها وأوفاها، واجعلها وسيلة لنا إلى نيل شفاعته والوصول إلى كريم وجهه، إنك أنت الجواد المنان والرحيم الرؤوف.

1 / 39

أما بعد:
فقد سبق مني كتاب جمعته من الخلافيات سميته «البرهان» وبلغت فيه غاية ما رمته على ما اتفق لي من إقامة الدلائل وإيضاح البراهين وإزاحة الشبهات وكشف المعاني غير أن الكتاب طال جدًا، فإني لم أكن شرعت فيه شروع طالب للاختصار والإيجار بل قصدت فيه قصد الاستيفاء والاستقصاء وأردت أن يكون ذلك عمدة المدرس لا عدة الحافظ، نعم، وحين طال بي المراس في المسائل، وتردد القول في سبرها وسبكها جدالًا مع المخالفين ومذاكرة مع الأصحاب، وعرضتها على فكرى مرة بعد أخرى وكرة بعد أولى، عرضت في خلال ذلك طرق متينة ومعاني محكمة وأسرار عجيبة ونكت معجبة، ورأيت عجز المعترضين دونها وتضأل المخالفين عندها، وتعظم المتدافعين عند جانبها فعند ذلك رأيت أن أسعى في مجموع آخر للأصحاب خاصة، ولكل من طلبه عامة سعى من طب لمن حب، ألفت فيه بنات صدري وأجمع له كدي وجدي وأبلغ فيه الغاية بجهدي وأجعله زبدة عمري ونهاية فكري، وقصدت فيه قصد الإيجاز والاختصار وهو كتاب لم يطل ذلك الطول المفرط الذي يسأم منه الناظر ولم يقصر قصور العجز عن بلوغ المراد، واعتنيت في المسائل التي أعضلت على فحول النظر زيادة اعتناء، وكشفت عن حقائقها زيادة كشف.
ونصصت على المعاني التي يمكن الاعتماد عليها، ونبهت على كثير من مجازفات المتفقهة وتجوزاتهم وتمسكهم بطرق حقها الإطراح، وغفلتهم عن معاني حقها القبول والإتباع، وذكرت حجج المخالفين بأتم لفظ وأوجز معنى، وأثبت بما يعتمد الأئمة منهم في الوقت، ولم أشتغل بالمستسقط من كلام مشايخهم إلا أشياء لابد من إيرادها والانفصال عنها، وسميت الكتاب «كتاب الإصطلام» لإصلامه كلام المخالفين لنا ابتلاء ولإطراحه

1 / 40

كثير من كلام مشايخنا المتقدمين توهينًا وضعفًا، وعندي أن من نظر في هذا الكتاب نظر بتأمل غائص في معانيه فهم لحقائقه معرض عن طريقة التعصب والتقليد راي كل كتاب صورة في هذا الفن للمتقدمين والمتأخرين في صورة المطرح المستغني ..... أن يشكر سعيي وتعبي فيه، ويعرف حق قيامي بأعبائه ويمدني بالدعاء .....، والله تعالى يعصم من الإعجاب بالقول ويرشد إلى الأصوب والأهدى/ من الأمور بمنه وفضله وعميم طوله.
* * *

1 / 41

كتاب الطهارة
(مسألة)
لا يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء عندنا، وهذا قول محمد، وزفر من أصحابهم.
وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف يجوز.
لنا:
إن الماء طهور شرعًا لا لمعنى، فلو ألحق به غيره في الطهورية كان لمعنى، فإذا كان ثبوته لا لمعنى إلحاق غيره به.
والدليل على أن الماء طهور لا لمعنى، الحكم والحقيقة:
أما الحكم فلأن طهورية الماء في الحدث لا لمعنى كذلك في النجاسة، وهذا لأن عمل هذا الوصف بنفي محلين، فإذا لم يكن لمعنى في أحد الملحين فكذلك في الآخر.

1 / 42

وأما الحقيقة فلأنه لو كان معلولًا كان معلولًا بعلة الإزالة، وهذا لا يجوز، لأن معنى الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وصفة تطهيره لغيره إنما توجد عند اتصاله بذلك الغير، كقولنا: ضارب للغير وشاتم للغير ومكلم للغير، إنما يوصف بهذا عند اتصاله شتمه وضربه بالغير، وإذا اتصل بالمحل النجس امتزج بالنجس، والماء الممتزج بالنجس نجس، وما لا يكون طاهرًا في نفسه لا يكون مطهرًا لغيره فدل تعليل الطهورية به بالإزالة باطل، فبقى أنه طهور شرعًا لا لمعنى، وبطل إلحاق سائر المائعات به.
فإن قالوا: إذا قلتم إن الماء بامتزاجه بالنجس يصير نجسًا فكيف يزيل النجاسة؟ وبالإجماع إنه يزيل النجاسة عند استعماله في المحل غسلا.
قلنا: إنما يزيل النجاسة شرعًا لا لمعنى الإزالة، على هذا إن عندنا يبقى الماء طهورًا بعد وروده على النجاسة ثبوت صفة الطهورية له.
والحرف أن الطهورية منصوص عليها للماء، ووقت ظهور الطهورية عند غسل المحل النجس فبقيت هذه الصفة للماء وإن امتزج بالنجس ليحصل العمل بالنص ولا يتعطل، ولم يكن لمعنى حتى يلحق غيره به.
وهذا لأن الضرورة ارتفعت بالماء فبقى غيره على أصل ما عقلنا من المعنى وهو أن المائع الوارد امتزج بالنجس وتنجس وإزالة النجاسة بالنجس غير معقول، ولأن غير الماء ليس في معنى الماء حتى يلحق به، لأن الماء خلق ليكون طهورًا، وقد ورد الإنزال بمعنى الخلق في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ﴾.
ومثل قوله: ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾.

1 / 43

وغير الماء من المائعات لم يخلق ليكون طهورًا.
ولهذا يكره استعمال ماء الورد والخل في إزالة النجاسة، ويعد سفهًا وتضيعًا للمال، ولأن الماء يسهل وجود ويعم إصابته وللناس بلوى في طهارة الأحداث والأنجاس فشرع إزالة ما يعم به البلوى بما يسهل وجوده تسهيلًا للأمر على الناس وتيسيرًا، ومعنى سهولة الوجود وعموم الإصابة لا يوجد في سائر المائعات، وإذا كان غير الماء يخالف الماء في هذين المعنيين المؤثرين لم يجز إلحاقه به.
وأما حجتهم:
قالوا: أجمعنا على أن الماء طهور والطهور هو الطاهر بنفسه المطهر لغيره، والتعليل واجب ما أمكن، لأن القياس دليل الله وأمر الله يتصل بإظهار دليل الله ليبني عليه حكم الله، ثم الدليل على أن التعليل في مسألتنا واجب ممكن أن إمكان التعليل بإظهار علة مؤثرة وهو موجود في مسألتنا، وذلك بالتعليل بالإزالة، والدليل على أن الطهورية معللة بالإزالة أن ما لم يوجد الإزالة لا يطهر بطهارة المحل، ولم لم يكن العلة هي الإزالة كان ينبغي أن يكفي مجرد استعمال الطهور.
يدل عليه أن استعمال الطهور غسلًا في هذا المحل مفيد طهارة المحل فلا يخلو إما أن يكون إفادته طهارة المحل بتبديله النجس طاهرًا أو بإزالته النجاسة، ولا يجوز الأول، لأن استعمال الماء لا يتبدل النجس طاهرًا فدل أن طاهرت المحل بإزالته النجاسة عن المحل.

1 / 44

والدليل على التأثير أن نجاسة المحل لما كانت هي النجس الذي حله فلابد أن يكون زواله مخيلًا في إفادة الطهارة.
وقالوا: ولا يجوز أن يقال إن النجاسة إن زالت حقيقة بقيت حكمًا، لأن الحكم مع الحقيقة، فإذا زالت حقيقة زالت حكمها، فمن قال بزوالها حقيقة وبقائها حكمًا فعليه/ إقامة دليل قادح في ذلك وإلا فسد مجرد الدعوى. قالوا: وأما الذي قلتم إن الماء يتنجس بأول الملاقاة. قال: ليس كذلك، لأن الطهورية صفة ثابتة للماء في الأصل بالنص.
ومعنى قولنا: إنها صفة ثابتة له في الأصل بالنص، أنها ثابتة قبل الاستعمال والدليل على ثبوتها له قبل الاستعمال أنه يوصف بها قبل الاستعمال، ولو كانت صفة ضرورية لا صفة أصلية لم يوصف بها قبل الاستعمال كالحلية للميتة لما كانت صفة ضرورية لم يوصف بها قبل الأكل.
وقولكم «إن المطهر للغير إنما يكون عند اتصاله بالغير».
قال: هذا في الحسيات فأما الطهورية صفة حكمية فيجوز أن يوصف بها وإن لم يتصل بالغير، وإذا ثبت أن الطهورية صفة أصلية، وهي معللة بالإزالة بقيت هذه الصفة للماء عند الإزالة ليظهر عمله، وأعرض عن الامتزاج الحاصل ثم إذا انفصل عن الثوب حكم بنجاسة الغسل مثل ما يحكم للماء بالاستعمال عند الانفصال عن العضو، ولا يحكم له بذلك قبل الانفصال، كذلك هاهنا.

1 / 45

يدل عليه أنه لو كانت الطهورية بالضرورة وجب أن يكون بقدر الضرورة، والضرورة تزول بالماء الجاري، والماء العذب. فينبغي ألا تثبت هذه الصفة للماء الراكد والماء الأجاج، وحين تثبت لجميع أنواع المياه عرفنا أنها غير ثابتة ضرورة.
قالوا: وأما طهارة الحدث فغير معللة بالإزالة، لأنه ليس هناك عين تزال إنما هي حكم بلا عين.
فإن قلتم: فيبطل إذا تعليلكم للطهورية بالإزالة.
قال: لا يبطل، لأن الحكم إذا ثبت في محل النص وعلل وعدى الحكم إلى فرع فالحكم في الفرع يثبت بالمعنى، وفي الأصل بالنص لا غير.
وهذا لأن النص مغنى عن طلب المعنى في محل النص، وإنما ظهور عمل المعنى في الفرع فحسب.
قالوا: وكذلك نقول في الأشياء الستة مع فروعها، وهذا لأن التعليل ليس إلا التعدية، وطلب الحكم في الفرع، ولهذا نقول: إن العلة التي لا تكون متعدية لا تكون علة، وإذا عرف هذا الأصل فالطهورية للماء ثابتة بالنص فحسب، والتعليل لإثبات هذا الحكم فيما وراءه فيكون ثبوته في الفرع أعني المائعات لعلة الإزالة وفي الأصل بالنص لا غير، وإذا كان ثباتًا في الأصل لا بعلة الإزالة ظهر عمله في موضع الإزالة وغير موضع الإزالة، وذلك في طهارة الحدث.
وأما الخل وماء الورد لما ثبتت الطهورية فيهما بعلة الإزالة عمل في موضع الإزالة ولم يعمل في غير موضع الإزالة.

1 / 46

قالوا: ولا يلزم المرق والدهن، لأن الإزالة لا توجد بهما فإذا لم يعتصر بالعصر بقي النجس في الثوب حتى لو كان بحيث يعتصر بالعصر يحصل به إزالة النجاسة.
قالوا: وأما قول مشايخكم إن غير الماء لا يطهر بالمكاثرة فلا يطهر غيره بالمباشرة بخلاف الماء فرق ممنوع، فإن عند جماعة من أصحابنا إذا كثر الخل أو ماء الورد وصار بحيث لا يخلص بعضه إلى البعض مثل الماء، ولئن سلما الفرق فإنما دفع الماء النجاسة عن نفسه عند الكثرة لبلوى الناس وحاجتهم، ولهم بلوى في الماء وذلك في الحياض والأدوية والغدرانات ولا بلوى فيما وراءه، لأنه لا يكون في الجوابي والأواني مصونًا في البيوت .. إلى هذا الموضع انتهت طريقة أبي زيد ذكرناها بزيادة شرح وبسط.
وقد تعلق مشائخهم بالاستنجاء حيث لا يختص بالحجر، وقالوا: جنس له أثر في إزالة النجاس فلا يختص بشيء منه دون شيء، دليله الجامد، والتعليل للماء، وتعلقوا أيضًا بالدن الذي فيه الخمر حيث يطهر

1 / 47

بانقلاب الخمر خلًا من غير استعمال لماء وكذلك دباغ الجلد يحصل به طهارته من غير ماء أصلًا.
الجواب:
أما قولهم: «إن التعليل واجب ما أمكن».
قلنا: لا إمكان في مسألتنا.
وقولهم: «إنه معلل بالإزالة».
قلنا: لو كان كذلك لم يكن طهورًا في الحدث، لأنه لا إزالة هناك، وتعليل الطهورية بالإزالة بلا وجود إزالة، محال.
وقد قال بعض مشايخهم: إنا نعلل الوضوء بالوضاءة والحسن.
قلنا: فعدوا ذلك إلى كل ما يحصل به هذا المعنى ما ماء الورد وغيره.
فأما قولكم في العذر عن طهارة الحدث إنها طهارة حكمية غير/ معلولة بالإزالة وهي حكم بلا عين.
قلنا: ففذا يبطل التعليل بالإزالة، لأن الماء طهور في الحدث نصًا ولا إزالة فيه، فبطل تعليلهم بالإزالة.
وأما قولهم: «إن الحكم ثبت في الأصل بنص لا بعلبة».
قلنا: التعليل لطلب علة الأصل، فأما إذا كان المعنى المستخرج من الأصل ساقطًا في تعليل الأصل به لم يتصور التعدية.
وقولهم: «إن النص مغنى عن التعليل».
قلنا: بلى في ثبوت الحكم لكن من ضرورة ثبوت الحكم في الفرع بالمعنى ثبوت الحكم في الأصل بذلك المعنى، ويجوز أن يكون الحكم ثابتًا

1 / 48