قال العماد الأصبهاني:
(إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر).
1 / 11
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
وبعد فإن علم معرفة الصحابة علم جليل لا يعذر أحد ينسب إلى علم الحديث بجهله، لأن الصحابة هم حملة هذا الدين الأمناء إلى العالم، وهم الصورة الصادقة لهدي الرسول ﷺ، أخذوا على عواتقهم عبء تبليغ كل أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته، وشمائله ومعجزاته، فقاموا بهذه المهمة خير قيام.
ولما كانوا بهذه المكانة الرفيعة والمنزلة السامية، كانت معرفتهم من أشرف المعارف، بل ولزم على كل مسلم معرفة أخبارهم وفضائلهم للاقتداء بهم، وقد كان الصحابة معروفين بأشخاصهم فى العصر الأول، ثم احتاجت الأمة إلى تدوين أسمائهم، وتقصي أخبارهم، ودراسة تراجمهم دراسة فاحصة، في مصنفات جامعة بعد أن كثرت الروايات عنهم، وتميزوا في المرويات الموثقة من صحاح كتب السيرة والمغازي.
لذلك عني العلماء بتجريد أسمائهم والتأليف فيهم عصرا بعد عصر وطبقة بعد طبقة، بل إن المصنفين في علم مصطلح الحديث تعدوا التجريد إلى
1 / 13
تخصيص أبواب في كتبهم للحديث عن ما سموه: «علم معرفة الصحابة» رضوان الله عليهم أجمعين، مثل صنيع أبي عمرو ابن الصلاح-﵀ في مقدمته، وغيره.
ومع وفرة المصادر وتتابع التأليف في حياتهم، فإن المؤلفين استدركوا فوات من سبقهم، هذه العملية التي بدأت منذ القرن الثاني الهجري، واستمرت إلى عصر ابن حجر، وكان هذا العمل إما استقلالا في مصنفات ومعاجم مفردة، وإما اشتراكا في كتب الطبقات والتاريخ.
ومن الذين تصدوا للتصنيف في تراجم الصحابة عالم الأندلس وفقيهها أبو عمر ابن عبد البر القرطبي في كتابه"الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، ولا يخفى على كل مهتم بالدراسات الإسلامية ما تبوأه هذا الكتاب من المنزلة الرفيعة بين كتب الصحابة، فقد حمله الحفاظ والعلماء، وعكفوا عليه بالدراسة والتذييل والتمحيص والاختصار والاستدراك، وكان من بين هذه الاستدراكات مستدرك الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى بن سعيد المعروف بابن الأمين القرطبي المتوفى سنة ٥٤٤ هـ، موضوع الدراسة والتحقيق في هذا البحث.
دوافع البحث:
لقد أخذ مني اختيار موضوع البحث وقتا ليس بالقصير، اقترحت فيه العديد من المواضيع المتعلقة في الغالب بعلوم الحديث وعلم الرجال، حتى استقر الرأي على استدراك ابن الأمين القرطبي، ووافق عليه أستاذيّ المشرفين، فوقع في نفسي موقع القبول، وانشرح صدري لهذا انشراحا كبيرا، وزاد سروري حين زودني شيخي الجليل الدكتور محمد الراوندي بنسخة منه لأطلع عليه.
كانت جملة من البواعث وراء اختياري هذا الموضوع، منها:
1 / 14
*شغفي بسنة النبي ﷺ وسيرته، والتي يعتبر الصحابة رجال عصر المبعث، وشهود أحداثه أهم مرجع فيها.
*الرغبة في الإسهام بالدراسة والتحقيق والنشر للتراث الإسلامي عامة، والأندلسي خاصة، وهذا أقل ما يفرضه علينا الواجب اتجاه هذا التراث الذي فيه بناؤنا الذاتي والفكري، والذي هو جزء من حضارتنا الإسلامية المجيدة، وفي تحقيقه وتوثيقه وإخراجه إلى الوجود ربط للحاضر بالماضي، واستحضار للأصالة والحضارة والتاريخ.
*أهمية شخصية ابن عبد البر العلمية، ومكانته بين علماء المشرق والمغرب، وما خلفه من إنتاج فكري خصب، غزير الفائدة خاصة كتابه في الصحابة الذي طبقت شهرته الآفاق، ولا يكاد يخلو معجم من معاجم الشيوخ من القرن الخامس الهجري إلى القرن الثاني عشر من النقول عنه.
*إضافة أثر من آثار الأندلسيين في علم السيرة النبوية، خاصة إذا علمنا أن كتاب ابن الأمين هو الأثر الوحيد الذي احتفظ لنا به التاريخ، والذي يبرز لنا مدى مساهمة المغاربة في علم الرجال عامة، وعلم الصحابة خاصة.
محتوى البحث:
لقد اقتضت طبيعة بحثي هذا أن أعقد له مقدمة، وبابين رئيسيين تتخللهما فصول ومباحث، فخاتمة وفهارس، مع لائحة للمصادر والمراجع المعتمدة.
فتناولت في المقدمة موضوع البحث، وأهدافه، ومنهجه، والصعوبات التي واجهتني، والشكر لكل من آزرني في هذا البحث.
وأما الباب الأول فقد قسمته إلى أربعة فصول: تحدثت في الفصل الأول عن حياة ابن الأمين: اسمه ونسبه ومولده وأسرته ونشأته وشيوخه وتلامذته ومكانته العلمية والثناء عليه ومؤلفاته ثم وفاته.
1 / 15
وخصصت الفصل الثاني للحديث عن كتاب الاستيعاب لابن عبد البر، فأبرزت أهميته في مجال التصنيف في الصحابة، ومنهج مؤلفه، ثم تطرقت للكلام عن المستدركات عليه مقتصرة على الأندلسية منها دون المشرقية، مراعية في ذلك التسلسل الزمني لأدرك ما زاده اللاحق عن السابق.
وأفردت الفصل الثالث لدراسة المخطوط فتناولت في مباحثه وصف الكتاب ودراسته، وفيه تحدثت عن توثيق نسبة الكتاب إلى صاحبه، ثم منهج المؤلف في الكتاب، وأهميته وإشعاعه في القرن السادس وما بعده، ومصادره فيه، وأوهام ابن الأمين التي نبه عليها العلماء، ووصف المخطوطة.
وفي الفصل الرابع بينت المنهج المتبع في تقديم كتاب الاستدراك، وتحقيقه، ودراسته، وتخريج أحاديثه.
وأما الباب الثاني فقد ضم النص المحقق مرتبا على حروف الهجاء.
وأداء للأمانة العلمية فقد أعقبت التحقيق بذكر الطرر الواردة في المخطوطة، وعملت ملحقا باستدراك ابن الأمين للصحابة الذين لم يأت ذكرهم في النسخة المحققة وذكرهم العلماء.
ثم ذيلت ذلك بخاتمة أو جزت فيها ما خرج به هذا العمل من نتائج.
صعوبات البحث:
ولقد واجهتني في بحثي بعض الصعوبات مردها إلى أمرين أساسيين:
*كون النسخة من الاستدراك فريدة، مما حرمني من مقومات التوثيق، ولا يخفى على كل مشتغل بتحقيق التراث مدى الصعوبة التي يعانيها الباحث في الاشتغال على نسخة وحيدة.
1 / 16
*اعتماد ابن الأمين على مصادر نادرة أو مفقودة وهي كثيرة جدا.
وأنا في كل ذلك أستلهم من الله العون والتوفيق فيمدني. بمدد منه وفيض كريم، وكلما ظننت أني قد رويت غلة النفس زاد ما بي من ظمأ إلى مزاولة هذا الجهد.
والمأمول أن يكون في هذا الجهد المتواضع ما يجلو شخصية أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى المعروف بابن الأمين القرطبي، ويقدم كتابه الاستدراك أقرب إلى ما أراده له مؤلفه.
شكر وعرفان:
وأخيرا أرى من حق العلم، وأداء لأمانة الدرس أن أعلي شكري العميم ودعائي إلى جمهرة من ذوي الفضل والنبالة وأخص بالذكر منهم أبويّ الفاضلين وإخوتي، الذين أمدوني بأكثر مما أمكنهم من وقتهم وراحتهم، ودعمهم المادي والمعنوي، متعهم الله بالصحة والعافية والرحمة والرضوان، ثم لمشرفي الجليلين فضيلة العالمين القديرين: الدكتور إبراهيم بن صديق والدكتور معمر نوري اللذين تفضلا مشكورين فرعيا هذا البحث المتواضع برحابة صدر وطلاقة وجه، ودلاني على أحسن طرق الخير في المسار العلمي، مع الإخلاص في التوجيه والنصيحة والحرص على مواكبة العمل في كل أطواره، شأنهما في ذلك شأن العلماء العاملين المخلصين لرسالتهم النبيلة رغم ظروفهما الصحية العصيبة، وإلى أسرتيهما اللتين كانتا تستقبلاني بكل حفاوة فجزاهما الله خير الجزاء، وإلى الدكتور القدير محمد الراوندي الذي كان له الفضل في إطلاعي على الكتاب، ثم في بعث همتي إلى تحقيقه ودراسته، فما أن أعارني الكتاب وتصفحته وقرأته علمت أنه من علي منة لا أنساها، بل أيقنت أنه آثرني بالخير كله وأي خير أكبر من كتاب فريد في بابه قد حوى
1 / 17
ذخيرة من ذخائر علم الشريعة، بل تجاوز فضله إلى بذل كل ما تطيقه أريحية عالم يعرف حق العلم، فكان يوجهني ويسدد آرائي كلما عن علي أمر من أمور البحث، وإلى شيخي الجليل الدكتور محمد يسف الذي لم يبخل علي يوما بأوقاته العزيزة وتوجيهاته السديدة، وشد أزري أكثر من مرة فله من الشكر أفضله ومن المنة أعظمها، وإلى الروح الطاهرة روح الفقيه الشيخ محمد المنوني أفسح الله له في رحاب الجنة وأقعده مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأحسن جزاءه بقدر ما خدم التاريخ ونفع الناس بعلمه وجهده.
كما أود أن أعرب هنا عما أدين به من فضل لكل السادة الأجلاء الكرماء الذين أسعفوني بما تعذر علي التوصل إليه من معلومات عن المخطوطات، أو بما أسعفوني من مصورات منها وهم كثيرون يضيق المجال عن ذكر أسمائهم كلها.
الأستاذ الفاضل محمد علي موسى الذي كانت له يد فضلى في إمدادي بمصورتي نسخة التيمورية وهوامش الاستيعاب من معهد المخطوطات العربية، وإلى الحاج محمد الزيدي الذي تفضل بجلبها إلي، والدكتور الفاضل خالد الريان.
إلى القائمين على شؤون المكتبات في مركز جمعة الماجد وعلى رأسهم الدكتور الفاضل عبد الرحمن فرفور، ودار الكتب المصرية-المكتبة التيمورية-ومعهد المخطوطات لجامعة الدول العربية بالقاهرة، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، وعارف حكمت بالمدينة المنورة، ووزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، والمكتبة الوطنية الجزائرية، ومكتبة الأسد بدمشق، ودار الكتب الوطنية بتونس، ومكتبة الإسكوريال، ومكتبة شستر بيتي بدبلن، ودار الكتب الوطنية بباريس، ومكتبات المملكة المغربية العامة منها والخاصة.
ويشهد الله مدى عجزي عن كفاء الشكر لبعض ما أسبغوا علي من فضل، فإليهم جميعا صادق الامتنان وخالص العرفان بالجميل، فكل فضل في إخراج
1 / 18
هذا الأثر فهو بعد الله لهم خالصا فجزاهم الله جزاء المحسنين من عباده، فهو وحده الكفيل أن يكلأهم بموصول نعمه وموفور كرمه.
وختاما آمل أن يكون في هذا الجهد المتواضع ما يجلو للقارئ استدراك ابن الأمين القرطبي، وأن أقدم كتابه على الوجه الذي أراده له مؤلفه، فإن كنت حزت قدرا من سداد وتوفيق فإنه من توفيق الله وتسديده، وإن كنت وهمت أو سهوت فشفيعي صدق النية وصحة العزيمة، وسبحان الله المتصف وحده بالجلال والكمال وعلى الله قصد السبيل.
1 / 19
الرموز المستخدمة في البحث
الصفحة الأولى من الورقة المخطوطة مثلا (ق ١١/أ)
الصفحة الثانية من الورقة المخطوطة مثلا (ق ١١/ب)
ت المتوفى مثلا الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ)
ج: الجزء
ص: الصفحة
خ: مخطوط
ط: ح: طبعة حجرية
ط: الطبعة
د: الدكتور
ذ: الأستاذ
ق: ورقة مخطوطة
هـ: هجرية
م: ميلادية
[] كلام أضفته أو صوبته في المتن
لحصر الآيات القرآنية
" "لحصر حديث أو اسم مؤلف
() لحصر أي كلام نقلته ولم أتصرف فيه.
1 / 20
الفصل الأول
ترجمة ابن الأمين القرطبي
* اسمه ونسبه ومولده
*أسرته
*نشأته ومحطات من حياته
*شيوخه
*تلامذته
*مكانته العلمية والثناء عليه
*مؤلفاته
*وفاته
1 / 21