تعداد العرب والحمد لله كان خمسين مليون نسمة، وقد دخل الحرب من الدول العربية والحمد لله سبع دول عربية هي الأكبر. لكنهم والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه لم يتمكنوا من حشد أكثر من واحد وعشرين ألف مقاتل (؟) معظمهم من الأميين (!)، ومع أسلحة أقل عددا وكفاءة مما بيد الجانب الآخر.
وكالعادة التاريخية التي هي فيما يبدو من الثوابت الأعلام بدورها، لم يتنازل الإباء والشمم العربي لقائد واحد يقود جيوشهم، فذلك عار وشنار، وأسفر الأمر عن خمس قيادات عربية متناحرة، رغم أنهم دخلوا الحرب متعنصرين بالعنصر العربي الواحد ، ومتشحين بالإسلام وأعلنوها حربا مقدسة (وهنا المشكلة المستعصية لأن العرب ليسوا كلهم من دين واحد)، فإذا كان الحال كذلك، وكانوا يعرفون ممكنات الطرفين جيدا، فلا شك (حسب المنهج) أنهم تصوروا حدوث معجزات كمجيء الملأ السماوي، أو ظهور الطير الأبابيل، وهو الأمر الذي لم يزل منهجا سائدا في شعار يتكرر حتى اليوم: إذا كانت أمريكا معهم فالله معنا (؟!) وهناك من لا يفهم كيف يكون الله مع قوم لا ينتجون ولا يبدعون ولا يكتشفون ولا يخترعون، فقط يبسملون ويحوقلون؟
النتيجة الواضحة أن طرفا يملك أرضه منذ قرون طويلة ولم يستطع أن يصنع خلاصة، وأن طرفا آخر جاء يريد أرضا ومعه خلاصة.
وكان غياب العقل عندنا، والحريات بمعناها الصادق والكامل (وليس السياسي فقط)، وعدم إجراء حسابات المكسب والخسارة والهزيمة والنصر، العامل الأساسي الذي أدى إلى قيام دولة إسرائيل، بينما لم تقم الدولة الفلسطينية التي نص عليها قرار التقسيم، بل وكان دخول العرب المعركة دافعا لاستيلاء إسرائيل على أرض خارج خطوط التقسيم، وإهدار دماء المواطنين العرب الأبرياء من سبعة أقطار فقط للطنطنة والشنشنة، والمنافسات العربية العربية، وإكراما لذكرى عنتر بن شداد، بلا مقابل؛ لأن المواطن في بلادنا هو بين لكن الدماء كانت بلا ثمن، آخر الأمور التي يتم النظر بشأنها.
وأفضت حرب 48 إلى سلسلة انقلابات انتهت باستيلاء العسكر المحلي على الحكم. تحت قيادات لا نشك أبدا في إخلاصها وطهارة أيديها ووطنيتها الصادقة، بالضبط كما لا أشك أنا أن السيدة والدتي تتمتع بتلك الصفات بشكل مبهر ومحترم، لكن هذه الصفات بالتأكيد لا تكفي لتسليمها رئاسة الجمهورية.
إلا أن بعض القادة من هؤلاء تتمتع أيضا بالكاريزما، والقدرة على حشد الجماهير وتعبئتها، وأمكنهم عسكرة المجتمع بكامله، وأقنعونا أن إسرائيل دويلة يمكن لمصر وحدها ركلها في أيام. لكن يبدوا أن تلك الصفات بدورها لم تكن كافية؛ لأن النتيجة كانت كابوسا مرعبا مروعا بهزيمة 1967م، التي انتصرت فيها الديمقراطية الإسرائيلية انتصارها الأعظم، وأضافت إلى أراضيها أضعاف مساحتها، وهزمت فيها الفاشية العربية هزيمة شنعاء.
كل هذا واضح بالطبع، ومع ذلك لا زال مثقفونا ينتظرون إلى اليوم: القائد قلب الأسد؛ إي والله «قلب الأسد»، بعد أن تأكد الدكتور مصطفى محمود أكرمه الله (أهرام 9/16 /2000م) بتفسيره لآيات قرآنية أن «قلب الأسد» على وصول، وهو قادم آت، لكن لأن الله هو الذي سيختاره؛ فالدكتور مصطفى لا يعلم متى سيأتي ولا كيف؟ إذن انتظروا يا عرب مجيء «قلب الأسد المختار» بالعناية الإلهية، واطمئنوا يا سادة فالدكتور يجزم بصحة ما وصل إليه، ولا بأس أثناء فترة الانتظار تلك أن تبكوا أحيانا على أطفال الفلسطينيين، لكن على العقل العربي يجب أن تندبوا. وكي تندبوا بحرقة أحيطكم علما أني بينما أقول لكم قولي هذا، يتأهب حزب التحرير الإسلامي إلى إعلان الخلافة من «قرقيزيا؟ ...»
حكاية قرقيزيا «هم يضحك» والحاج مصطفى «هم يبكي».
الذي لم نره أبدا أنه كلما تصارعت دولتان إحداهما ديمقراطية، والأخرى أي شيء آخر، كان النصر حليف الديمقراطية؛ فلا نصر بدون تقدم ولا تقدم بدون ديمقراطية حقيقية. والديمقراطية بالمناسبة ليست الشورى بأي حال، وليست مجرد صندوق انتخابات نزيه فهو وحده كارثة كاملة؛ الديمقراطية هي التفكير العلمي في شئون الحياة، ويستلزم بالضرورة كي يولد، مقرطة المجتمع كله من التعليم إلى الإعلام والسلوك الحضاري واحترام العمل والإنتاج واحترام كامل للقانون المدني من جميع الأفراد مهما كانوا متباينين؛ هي أيضا دستور ديمقراطي بالأساس؛ هي حرية النقد الكاملة؛ هي حرية انتقال المعلومات؛ هي حرية التعبير والرأي والاعتقاد، مرجعية الجميع في ظلها هي العقل العلمي وليس الطاعة. هي كل لا انفصام فيه؛ لذلك لا تزدهر في مجتمعات الرأي الواحد والثوابت الأعلام، حيث يسود الجهل والتخلف. •••
لقد كره العرب عدوهم بعمق، والكراهية إزاء الكراهية مشاعر مشروعة، لكن الطرف الآخر مارس الكراهية وأعمل العقل والعلم والديمقراطية، أعمل العقل ليعرف عن أعدائه ما يريد، عبر مراكز بحثية ومؤسسات علمية أهلية ورسمية وجامعية، ليقدم أبحاثه الدقيقة والمفصلة، حتى عن أحوالنا النفسية والعاطفية، إلى وسائل إعلامه وتعليمه وجيشه بالطبع، ليتم تفعيلها لا وضعه على الأرفف. ليعرفوا كيف يفكر عدوهم وما هي ردود أفعاله وما هي سماته الشخصية والنفسية . أما الكراهية عندنا فقد أججها خطاب أوحد يمجد الزعيم الأوحد والأمة الواحدة، ويعلن دوما عن ممكناته العسكرية كأكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط، دون أن يقدم للناس أية معرفة حقيقية بإسرائيل السياسة والاقتصاد والتفكير والمنهج والمجتمع. لأن ذلك سيستدعي بالضرورة مقارنات فاضحة لمؤسساتنا الحاكمة ولمجمل مناهجه. وكان ناتج عدم المعرفة الذي نرتاح إليه من باب الكسل العقلي التاريخي المرتبط بحول منهجي بالضرورة، كل هذا كان لا بد أن يفضي بشكل طبيعي إلى كارثة 1967م، التي لا زالت توابعها الاهتزازية فاعلة حتى اليوم.
Неизвестная страница