يقول إشعيا في الإصحاح التاسع عشر من سفره: «وحي من جهة مصر، هو ذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر ... يذوب قلب مصر في داخلها ... تنشف المياه من البحر ويجف النهر وييبس وتنتن الأنهار ... والرياض على النيل على حافة النيل وكل مزرعة على النيل تيبس وتتبدد ولا تكون ... في ذلك اليوم تكون مصر كالنساء، فترتعد وترتجف من هزة يد رب الجنود التي يهزها عليها، وتكون أرض يهوذا رعبا لمصر.»
ثم يؤنب إشعيا بني جلدته الذين يلجئون إلى مصر وفيئها في الملمات، بقوله في إصحاحه الثلاثين: «ويل للبنين المتمردين يقول الرب ... الذين يذهبون لينزلوا إلى مصر للمعونة ليلتجئوا إلى حصن فرعون «ويحتمون بظل مصر»، فيصير لكم حصن فرعون خجلا، والاحتماء بظل مصر عارا.»
أما النبي إرميا في الإصحاح 46، فقد وقف يعبر عن مكنون كل إسرائيلي تجاه مصر في قوله: «أخبروا مصر، وأسمعوا في مجدل، وأسمعوا في نوف (منف) وفي تحفنحيس، قولوا انتصب وتهيأ الآن، لأن السيف يأكل حواليك ... نادوا هناك: فرعون مصر هالك ... نوف تصير خربة وتحرق فلا ساكن ... ها أنا ذا أعاقب آمون نو وفرعون مصر وآلهتها والمتوكلين عليه.»
أما حزقيال النبي فلم يبخل على مصر وهو يوجه كلام الرب الإسرائيلي إلى الفرعون المصري المقبل، بالإصحاح 29 حيث يقول: «ها أنا ذا المليك على أنهارك، «أجعل من أرض مصر خربة مقفرة من مجدل إلى أسوان ... وأشتت المصريين وأبددهم من الأرض».» (3) فلسطين وإسرائيل: الخلل في التوراة أم في التاريخ؟
حدث هذا أوائل القرن الثاني عشر قبل الميلاد، عندما انقضت موجات بشرية على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، قادمة من جزر البحر الإيجي ، كان أكبرها تلك التي اكتسحت العاصمة الحيثية «خاتوشاش/بوغاز كوي حاليا تركيا» ودمرتها، لتتركها خرابا بلقعا إلى الأبد، ثم تزحف منها جنوبا لتقضي على «قرقميش/جرابلس حاليا شمالي حلب»، لتحتل بعدها «أوغاريت/رأس شمر الآن قرب اللاذقية»، ومن بعدها «أرواد»، لينحدر السيل الجارف جنوبا باتجاه حدود مصر الشرقية عبر سيناء، مترافقا مع جناح بحري لمهاجمة شواطئ مصر الشمالية، مصحوبا في الوقت نفسه بجناح ثالث هبط على السواحل الليبية ليهاجم حدود مصر الغربية، وكان ذلك الهجوم الثلاثي أكبر كماشة عسكرية تعرضت لها مصر.
ويحكي لنا «رمسيس الثالث» أحد المحاربين العظماء في التاريخ، أنه قد تصدى بجيوش مصر لهذا العدوان الثلاثي، وألحق به هزيمة مروعة، في ثلاث معارك برية وبحرية، وكان ذلك عام 1180 قبل الميلاد. أما علم التاريخ فقد حاول تفسير وجود عناصر من هؤلاء المهاجمين على الساحل الفلسطيني بعد ذلك، يعيشون هناك في شكل ممالك مستقرة، بأن انكسار الهجوم البحري الكاسح للمنطقة ، الذي جاء من جزر البحر الإيجي وعاصمتها (كريت)، قد انكسر على الحدود المصرية انكسارا شديدا، لكن الفرعون المصري المنتصر، ترك لهم سواحل فلسطين ليقيموا بها، ويكونوا من رعايا الفرعون وجنوده، وفيالقه المتقدمة في آسيا.
أما هيرودت أبو التاريخ، فيقول: إن هؤلاء المهاجمين هم من حملوا اسم «البلست» ويضيف المؤرخون من بعد أن هيرودت اليوناني هو أول من أطلق على بلاد كنعان شرقي المتوسط اسم «بلستيا» و«بالاستين»، نسبة إلى هؤلاء الغزاة «البلست» لتحمل بعد ذلك اسم فلسطين. (3-1) موجات الهجوم
ويعلمنا علم التاريخ من وثائقه، أن ذلك الهجوم الفلسطيني القادم من كريت والجزر الإيجية، قد هجم على منطقتنا في شكل موجات متتابعة، بعد أن شكلت قبائل بحر إيجه اتحادا قويا في نهاية 1300 قبل الميلاد، وأن أول تلك الموجات قد اضطر مصر إلى التخلي عن مستعمراتها في سوريا وفلسطين، وأن أول الموجات قد تمكنت تماما من احتلال ساحل فلسطين في زمن قياسي.
وكان أول ذكر في وثائق التاريخ لهؤلاء «البلست»، هو ذلك الذي نقرأه في وثائق الفرعون «أمنحتب الثالث 1397 / 1360 قبل الميلاد »، ذلك الزمن الرخي الذي ضمت فيه مصر دول الشرق القديم تحت جناحيها وتدفقت عليها الجزى، منذ زمن جده الفاتح الكبير «تحتمس الثالث»، فكان عصر «أمنحتب الثالث» عصر رخاء عظيم.
وقد تلي الموجة التي وصلت زمن «أمنحتب الثالث 1397 / 1360 قبل الميلاد» ذكر لموجات أخرى كان تاليا لها تلك الموجة التي وصلت زمن «رمسيس الثاني 1292 / 1225 قبل الميلاد»، ويبدو أن المصريين قد أسروا منهم أعدادا كبيرة؛ حيث نجدهم بعد ذلك يعملون كمرتزقة في جيوش مصر، باسم الشردانيين (نسبة إلى جزيرة سردينيا).
Неизвестная страница