Исмаил Касим в процессии жизни и литературы
إسماعيل عاصم في موكب الحياة والأدب
Жанры
إن الخطيب الذي يخطب في السنة مرة أو مرتين لا ينبح صوته ولا يجف ريقه حتى ولو كان يخطب في كل أسبوع مرة أو مرتين، على أن مصر ما رأت فائدة من توجه الشبان الذين تمنيتم ذهابهم لأوروبا ليخبوا فيها بالشكاية من الاحتلال، وقد رأينا من سبق وتوجه إليها، وسمعنا أنه كان يخطب فيها بهذا المعنى جاعلا فرنسا محور دائرة آماله، وما لبث أن رأى هذا المحور يدور بنفسه حول مركز دولة الاحتلال ضد تلك الآمال، كما تشهد بذلك الاتفاقية الأخيرة التي قطعت قول كل خطيب، ومع ذلك فإن عزتكم من شبان مصر ومن كبار محاميها وخطبائها، وقد أصبحتم في عداد رجال الصحافة فيها ولا يقال بوجودكم وأمثالكم بفقدان الخطباء من مصر، فإن رأيتم بعد ما أوضحناه أن في توجيه الشبان إلى أوروبا والخطابة فيها منفعة للوطن، فالوطن يرجوكم أن تقوموا له بهذه الخدمة الجليلة، ولكنه يخشى من أنكم لا تلبثون بعدها أن تروا الثانية أشأم من الأولى، والعاقل من اعتبر بأمسه وعمل لغده.
وقبل الختام أقدم لعزتكم كلمات، ربما كانت مفيدة في بابها، وهي أن تحرير الوطن وإسعاد البلاد لا يكون بذهاب الشبان ليخطبوا في أوروبا وهي في شاغل عنهم، وقد رأينا عقباها كما سبق الذكر، ولا بالشقشقة بين بعض الناس فتخر بنا الحكماء، ولا بإثارة الأحقاد في صدر الهيئة المحكومة ضد القوة الحاكمة فتفشل الأمة، ولا بتهييج نفوس الضعفاء الجاهلين على الأقوياء العاقلين فتذلهم القوة، ولا بنكران الجميل على أصحابه فيحل الحرمان، ولا بالمخاشنة والطيش فيتكدر صفاء العيش، وقد علم الله نبيه كيف يستميل إليه الناس، فقال:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ،
فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، وحينئذ فالخطب التي نسمع بها الآن أو نقرأها في جرائدنا إثمها أكبر من نفعها كما هو رأى العقلاء في مصر، وسنبين ذلك لعزتكم مفصلا في مقالة ثانية ودمتم.
إسماعيل عاصم المحامي «الظاهر»: يتضح من مقالة حضرة المحامي الفاضل أنه لم يمعن النظر في كلمتنا عن الخطابة، وأنه كتب رده باندفاع وتسرع، وأنه تألم من إغفال ذكره من عداد الخطباء الفصحاء. أما أنه لم يمعن النظر فلكونه لم يفهم مرادنا من الكلام عن فقد الخطابة من مصر، وإلا فلو كان علم حقيقة ما نريد لأدرك أننا نتمنى لبلادنا فوق ما هي سائرة فيه من التقدم البطيء؛ أي إننا نتطلب لها نهضة قوية تستعيد بها سابق مجدها وسؤددها في وقت قريب؛ لأن حالة مصر الآن تقتضي التعجيل في النهوض قبل فوات الفرصة السانحة، ولن تتأتى هذه النهضة إلا إذا كانت مصر مستكملة كل أسباب العلم ووسائل العمل، والخطابة من غير شك إحدى هذه الأسباب والوسائل، وأما أنه كتب رده باندفاع وتسرع فدليله أنه خلط وشط كثيرا فيما كتب، فزعم أننا ذهبنا إلى أنه كانت توجد نهضة قبل دخول الاحتلال في مصر، وأن الحقيقة غير ذلك لم نقل بذلك ولم نفتكر فيه سوى الآن؛ إذ جئنا نؤكد لحضرة الكاتب ما ذكره هو وأنكره على نفسه، فإن مصر كانت قبل الاحتلال بقليل؛ أي لأول عهد الخديوي السابق آخذة في النهوض والارتقاء، وكان فيها جملة من الكتاب والعلماء والشعراء الأفاضل الذين لا يجحد فضلهم ولا تنكر هممهم، وقد كانوا يجتمعون في مجتمعات الجمعيتين الخيريتين الإسلامية والقبطية في الإسكندرية وجمعية مصر الفتاة في الثغر أيضا، وجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية التي كانت في العاصمة والذين كانوا يعضدون هذه الجمعيات أو يحضرون جلساتها لم يكونوا من التلامذة، بل كانوا من نخبة رجال العلم والفضل والشهرة والمكانة العليا، ولقد كان التوافق والاتحاد بين الجمعيتين الخيريتين الإسلامية والقبطية بالغا منتهاه، وكانت جمعية مصر الفتاة قد وضعت كتابا كبيرا يبحث في كل ما من شأنه أن يصلح أحوال البلاد ويرقي شئونها ومصالحها، وقدمته للمرحوم الخديوي الأسبق بصفة لائحة إصلاح فتلقى مشروعها بكل سرور وارتياح، وقرر النظر فيه والعمل بمقتضاه.
ولكن حركة الثوار المفسدين هي التي حالت دون تنفيذ ذلك، وأما أنه تألم من إغفال ذكره في جملة الخطباء الفصحاء فيؤخذ من تنديده بسعادة الخطيب الوطني الفريد مصطفى كامل باشا؛ فإنه سخر به في عرض كلامه واستخف بأفعاله وأجهد نفسه في أن يثبت أن الخطابة لم تفد مصر شيئا، والحقيقة أن مصطفى كامل باشا أبان للملأ في أوروبا أن في مصر رجالا من نخبة شبانها الناشئين يشعرون بما يشعر به الأوروبيون، ويتألمون مما يتألم منه المظلومون المغدورون، وقد أحرز سعادته ذكرا بين الصحف الأوروبوية لم يدركه إلا أعاظم الرجال هنالك، واحتفى به كبار الساسة ورؤساء الحكومات، ونال من الشرف والتبجيل ما يستحقه كل مخلص صادق النزعة، ولا ينكره إلا كل حاسد واضح النزعة.
أما عن التعريض بخطة سعادة الخطيب فيما سلف، فالجواب بشأنه أن سعادته كان يرى مصلحة مصر في الاستنجاد بفرنسا؛ لأنها كانت خصيمة إنكلترا والعاقل من استعان على عدو بخصيم ذلك العدو، ولو لم يتغير شكل السياسة وتتبدل أطوارها لأفادنا عمل الخطيب الوطني إفادة كبرى، أما وقد تحول سكان سفينة السياسة وتبدل القابضون على أزمة الأحكام في فرنسا بسواهم، فقد حبطت أعمال هذا المجاهد النبيل.
ولا ينكر مصري حر أن مصطفى كامل باشا نفخ روحا من الحياة في أنفس الكبار من سراة المصريين، فأقبلوا على إنشاء المدارس وفتح الملاجئ وإيجاد المستشفيات، كما نفخ روحا من النشاط في الشبان الناشئين فبدءوا يجدون ويحترفون واعتزل كثير منهم وظائف الحكومة، مفضلين الاشتغال بأنفسهم في الخارج أحرارا أعزاء على بقائهم في الحكومة تحت سيطرة الإنكليز وغطرستهم.
وأقرب دليل على أن هذا الخطيب الوطني جعل نفسه قدوة لغيره إقدامه على إنشاء مدرسة باسمه يتولى إدارتها أخوه النشيط الصادق، وأما عن خطب مصطفى كامل باشا في القطر المصري، فلا يحتاج الأمر إلى القول إنها أحرزت مكانة رفيعة من نفوس الوطنيين جميعا، بل والأجانب المستوطنين في هذا القطر أيضا.
بقي علينا أن نحول أنظار حضرة إسماعيل بك عاصم المحامي الفاضل إلى مقالتنا التي نشرت في العدد 174 من «الظاهر» تحت عنوان: المصريون والمحتلون، وإلى المقالة الافتتاحية في عدد أمس؛ ليعلم أنه غير مصيب فيما زعم من وجوب اللين للمحتلين، وأنه لمن العار على مثل حضرته - وقد كان يملأ شدقيه باسم الوطنية فيما سلف - أن يدعونا ويدعو أبناء وطنه كلهم إلى الخضوع لسلطة المحتلين والرضوخ لأحكامهم والاستظلال بظلالهم. فإن مثل هذه الأقوال لا يصح أن تبدر إلا من شاب لم يعرك الحوادث ويصابر الأيام، ويبل الدهر حلوه ومره، ولكن ما عسانا نقول لمن سعى من مصر إلى لندرة [لندن]؛ ليرى الإنكليز مقدار محبته لهم، فعاد محشوا بالميل والإخلاص إليهم.
Неизвестная страница