336

ولما تمنى سليمان عليه السلام ذات يوم الأولاد، وقال: أطوف على مائة امرأة، تأتي كل امرأة بغلام يجاهد في سبيل الله، فنزهه الله عما ظاهره الدنيا عند السامعين، فلم تحمل إلا امرأة واحدة، وولدت غلاما ميتا ألقوه على كرسيه، فأناب إلى الله تعالى قال الله تعالى: {فألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي}(1) الآية.

وكذلك يونس عليه السلام فإنه خرج من قومه مغاضبا لهم، فظن أن لن يقدر الله عليه، بمعنى: لن يضيق عليه في خروجه، كما قال الله تعالى: {ومن قدر عليه رزقه}(2) أي ضيق. فتوهم عليه السلام أنه لا يضيق عليه في الخروج، فخرج بغير أذن، فلما صار في بطن الحوت وظلمة البحر عرف الخطيئة، فنادى في الظلمات لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) وتاب إلى الله تعالى وقبل توبته.

وكذلك سيد المرسلين وخاتم النبيين صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين فإن الله تعالى أمره بالتوبة فقال: {وأستغفر لذنبك}(3) وقال: {وأستغفره إنه كان توابا}(4) فتاب عليه السلام من صغائر كانت منه، فقال تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}(5).

فهؤلاء الأنبياء عليهم السلام بادروا إلى التوبة، وسارعوا إلى استجلاب الرضاء من الله والمغفرة عند وقوع سيئات صغيرة، وأدواء خفيفة غير مضرة، وإن كانت تنقص قليلا من المنفعة فلم يرضوا بنقصان الفلس، وهو من الصغر من مائة ألف من الدنانير الحمر، وذلك لأنهم أطباء الأنام، وحكماء الإسلام، والمقتدرون على الدواء، والعارفون بما دق وجل من الداء ؛ فلهذا صحت أجسادهم وزانت، ودارت عليهم النعم ودامت.

وروى أن داود عليه السلام خر ساجدا أربعين ليلة حتى قيل: قد غفر لك، وقيل: إنه نفد دمعه فبكى دما.

وبكى آدم ألف سنة، وقيل: ما رفع رأسه من الحياء أربعين سنة.

Страница 343