448

واعلم بأن كل من قال بنجاسة الماء القليل وإن لم يتغير فإن قياس مذاهبهم: هو نجاسة الغسالة لا محالة من جهة أن النجاسة قد اتصلت بها وإن لم تكن مغيرة لها، والعجب من الشافعي حيث قال بطهارتها مع أنها قد اتصلت بالنجاسة، وقياس قوله: نجاستها.

الحجة الثالثة: أن من جملة هذه الغسالة: البلل الباقي في الثوب، وهو طاهر إجماعا بعد انفصالها عنه عند الحكم بطهارة المحل، فيجب أن تكون طاهرة أيضا لكونه ماء واحدا.

فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أن الواجب غسلة واحدة، وأن ماء الغسالة طاهر إذا لم يتغير بالنجاسة، وأن الغسلات الثلاث إنما هي على جهة الاستحباب وقد قررناها بأدلتها.

الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.

قالوا في نجاسة الغسالة الأولى: هو أن المقصود منها إزالة النجاسة، فيجب أن تنتقل إليها فتكون نجسة.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولا: فلأن ما ذكرتموه مجرد دعوى ليس فيه إشارة إلى دلالة توجب ما ذكرتموه فلا يعرج عليه.

وأما ثانيا: فلأنا نقول: غسالة قصد بها إزالة النجاسة فيجب الحكم عليها بالطهارة كالغسالة الثالثة على جميع الأقوال.

قالوا: ماء غسلت به النجاسة فكان نجسا كما لو انفصل قبل تطهير المحل.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولا: فلا نسلم ما ذكرتموه، بل ولو انفصل قبل تطهير المحل فإنه يكون طاهرا؛ لأن التعويل في نجاسته إنما يكون على تغيره بالنجاسة، فإذا لم يتغير فهو طاهر بكل حال، سواء انفصل قبل التطهير أو بعده.

وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا هذا الأصل، فالتفرقة بينهما ظاهرة من جهة أن الباقي في المحل نجس، فلهذا كان المنفصل عنه نجسا بخلاف ما نحن فيه فإن الباقي في المحل طاهر، فلهذا كان المنفصل مثله.

Страница 456