فقال: «ألا ترى أنهم اتخذوا في جمعياتهم خطة جديدة ؟»
قال : «أظن جلالة البادشاه يعنى دخول الضباط فيها.»
فكادت تظهر البغتة في وجه عبد الحميد عند ذكر الضباط، ولكنه تجلد وقال: «ألا تظن دخول الضباط في هذه الجمعية يعظم أمرها؟»
قال: «إن العمدة في الجند على العساكر وهم السواد الأعظم، ونحن على ثقة بأنهم يتفانون في الدفاع عن أمير المؤمنين ظل الله على الأرض.»
فأثر ذلك الإطراء في نفس عبد الحميد وقال: «أنا أعلم أن الخونة لا يقوون على شيء طالما كنا على بينة من أغراضهم، لكن لا أكتمك ما يجول في خاطري لأني عظيم الثقة بأمانتك وصداقتك.» قال ذلك وتناول تفاحة وأخذ في تقشيرها، وأشار إليه أن يأخذ تفاحة لنفسه، وقال بصوت خافت: «لا أكتمك اهتمامي بأمر العرب لا سيما أهل الشام، لا أعني أنهم يقدرون على شيء ولكنهم أصحاب أقلام وفيهم همة ولهم يد في أوروبا بما يعرفونه من الألسنة الإفرنجية، وهل نسيت ما كانوا يكتبونه في الصحف الأوروبية من المقالات المحرضة على التمرد والعصيان؟» وسكت.
فقال: «لم أنس ما كان من الضجة التي أحدثوها في أوروبا، ولكنهم غلبوا على أمرهم وسكتوا.»
فابتدره السلطان قائلا: «نعم، سكتوا حينذاك، ولكن حركتهم الأخيرة تختلف عن تلك، إنهم الآن على ما يظهر في هذا التقرير داخلون مدخلا جديدا ليس فيه ضجة، فهم عازمون على إنشاء جمعية يجرون إليها ضباط الجند وهم يدعونهم باسم الأمة العربية ويزعمون أنهم مادة الإسلام وأصله، وربما حدثتهم أنفسهم باسترجاع مجدهم. وقد يستطيعون خداع بعض ضباط جندنا بهذه الحيلة، وإذا فعلوا ذلك ...» وسكت ووضع قطعة من التفاحة في فيه.
فتبسم السر خفية تبسم الاستخفاف وقال: «إذا أذن لي مولاي البادشاه قلت ما يخطر لي وهو ما تدعوني إليه عبوديتي.»
فاستبشر السلطان بشيء جديد يسمعه، وإن لم يفته شيء يخطر ببال محادثه لفرط دهائه وسرعة خاطره وحذره، فأظهر الإصغاء وقال: «قل ما يخطر لك.»
فقال: «هب يا مولاي أن العرب في الشام عزموا على إنشاء جمعية سرية يدخلون فيها ضباط الجيش، لنفرض ذلك ممكنا وأنهم نجحوا - لا سمح الله - وتكاثر عددهم، ففي الإمكان إرجاعهم أو إسكاتهم كما أسكتنا غيرهم قبلهم بالمال أو بالاسترضاء أو بقوة الجند، أو على يد بعض المخلصين للعرش العثماني من عبيد مولانا السلطان، لأنهم في داخل المملكة لا يرجون نصرة أعدائنا دول أوروبا.» قال ذلك وبلع ريقه وبان الاهتمام في وجهه كأنه يكتم شيئا مهما. •••
Неизвестная страница