استنباطات محمد رشيد رضا في تفسيره
استنباطات محمد رشيد رضا في تفسيره
Жанры
وقال ابن عطية: "هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي ﵇ وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي ﷺ دون الأمة مدة ما، المعنى- والله أعلم- أنه خطاب للنبي ﵇ في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي ﵇ «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي» وقول أبي بكر وقت الردة: «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي»، وخلط قوم في تعلق الفاء من قوله فَقاتِلْ بما فيه بعد، والوجه أنها عاطفة جملة كلام على جملة، وهي دالة على اطراح غير ما أمر به، ثم خص النبي ﵇ بالأمر بالتحريض، أي الحث على المؤمنين في القيام بالفرض الواجب عليهم" (^١)، والقرطبي نقل ذلك عنه والشوكاني وأبو زهرة (^٢).
وقال الرازي في مسائل الآية:
"المسألة الثانية: دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد الرسول ﷺ اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا، فنزلت هذه الآية، فخرج وما معه إلا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد، ولو لم يتبعوه لخرج وحده.
المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه ﷺ كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو ﷺ موصوف بهذه الصفات، ولقد اقتدى به أبو بكر ﵁ حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة، ومن علم أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه" (^٣).
[موازنة الشريعة بين حق الله وكرامة المؤمن ورعاية حق المعاهد]
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [سورة النساء: ٩٢]
(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٨٦).
(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٩٣)، فتح القدير (١/ ٥٦٨)، زهرة التفاسير (٤/ ١٧٨٣).
(^٣) مفاتيح الغيب (١٠/ ١٥٧).
1 / 263