953

وأما ما يقال من أن أفعال العباد ليست مستندة في تخصيص وقوعها إلى مجرد الإرادة فإن ذلك ظاهر البطلان، وإنما هي مستندة إلى تعلق الإرادة وهو حادث مقارن للأفعال دون الإرادة الأزلية، ففاسد ؛ لأن الذي هذا الحديث بصيغة فعل أعني قوله قضى عليهم لايصيغه المصدر الذي هو لقط القضاء ولا يتصور أن يعبر عن الإرادة التي هي معنى من المعاني بصيغة فعل، وإنما يصبر عنها بالمصدر وهو القضاء، وحينئذ فلا شك في أن هذا الحديث إنما يصح عبارة عن التعلق، فيلزم مناقضة مذهبهم لا محالة ولا مثال لهذه النكتة، ذهب كثير منهم إلى أن للإرادة تعلقات أزلية، وتعلقات حادثة لحدوث متعلقاتها، وهذا مجرد دعوى لا دليل عليها من العقل ولا من النقل، وسيأتي لهذا مزيد توضيح قريبا إن شاء الله تعالى، ثم لايخفاك أنه لو كان المراد بهذا الذي وقع في الحديث المذكور نفس القضاء لا التعلق وكان المراد بالقضاء نفس الإرادة كما ذهبوا إليه لما احتاج المعترض وأمثاله إلى أن يستدلوا على أن الإرادة تسمى شيئا في الأزل كسائر المعاني التي أثبتوها؛ لأن قوله أشيء قضى عليهم ...إلخ، كاف لهم عن تلك التمحلات التي جاؤا بها، وسيجيء بها المعترض فيما سيأتي من الكلام على صفات المعاني فهذه هفوة أخرى لو صح لهم السؤال المذكور هنا فتدبر، وشيء آخر وهو أن قوله في آخر هذا الحديث وتصديق ذلك في كتاب الله عزوجل: {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها} بمعزل عن أن يكون تصديقا لسبق القضاء على الوجه الذي يزعمه المعترض وسائر مشائخه المجبرة.

Страница 1079