909

قلت: كون العلم تابعاص للمعلوم بهذا المعنى لايضرنا ولايخذلكم؛ لأن قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} وما في معناه من الآيات، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن الله صانع كل صانع وصنعته)) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد، وأبي عاصم، والحاكم، والبيهقي في الاسماء والصفات، والضياء المقدسي في المختارة عن حذيفة رضي الله عنه، وما في معناه من الأحاديث الصحيحة مما يدل دلالة قطعية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى على ما سبق به علمه أزلا، وكلما كان كذلك كان علمه سابقا بأن أفعال العباد صادرة عنهم بخلقه وقدرته وإرادته عند تعلق إرادتهم بها من غير تأثير لقدرتهم فيها حقيقة، واستقلالاتهم كانوا في أنفسهم أزلا على حالة تقتضي أن تكون أفعالهم فيما لايزال مخلوقة لله تعالى عند تعلق إرادتهم بها من غير تأثير لقدرتهم فيها، فعلم الله تعالى منهم ذلك أزلا؛ لأنهم في أنفسهم كذلك، لا أن الأمر بالعكس فظهر أن كون العلم تابعاص بالمعنى المذكور لا ينافي كون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بقدرته واختياره من غير مدخل وتأثير لقدرتهم فيها حقيقة؛ لأن الكتاب والسنة قد دلا على أن علمه تعالى إنما تعلق بأفعال العباد على هذا المنهج الذي قررناه فتكون مقدرة عليهم شاؤا أم أبوا مما شاء الله إلا ما شاء الناس، والمشيئة لله تعالى تابعة للعلم الأزلي، وكل ما كان كذلك فما علم وقوعه فلابد من وقوعه، وما علم عدمه فلا يقع البتة، لكون العلم متبوعا للمشيئة، وكل ما كان كذلك كان للعم مدخل، وأي مدخل [487]في وجوب الفعل وامتناعه، وسلب القدرة والإختيار الحقيقين المستقلين؟ فبطل قولكم لامدخل للعلم في وجوب الفعل ...إلخ .

أقول: ما في هذا الكلام من المصادرة والتخبطات الظاهرة مكشوف العوار عند المعتزلة والأشاعرة.

اما المصادرة فلأنه استدل سبق العلم على الجبر، ثم اعترف بأن دلالة العلم على ما زعمه من الجبر مبنية على دلالة الآيات والأحاديث، أن الله خلاق الأفعال كما يشاء أن يخلقها، وهو قد قال آخر ...........أن المشيئة تابعة للعلم، فإذا قد توقفت دلالة العلم في نفسه على دلالة الآيات والأحاديث التي زعمها ودلالتها في نفسها متوقفة على ثبوت المشيئة منه تعالى لخلق أفعال العباد، وثبوت المشيئة تابع لثبوت العلم كما قال، فظهر الدور المحال، ودور آخر وهو أن أصحابه الأكابر قد فسروا القضاء والقدر بعلم الغيب، فقوله فتكون مقدرة عليهم استدلال بالقدر على أن العلم إنما سبق بخلق الله للأعمال، وهو دون كما ترا، وسيأتي له تمام ذلك، أن تقول أنه قد صار استدلاله بالعلم لغوا؛ لأنه إذا لم يكن الإعتماد في الدلالة إلا على الآيات والأحاديث التي زعم أنها أدلة على الجبر قاطعة لم يبق للإستدلال بالعلم جهة أصلا، مع أن أصحابه المجبرة قد جعلوا العلم شبهة على حدة، فاستدلاله بالعلم بعد استدلاله بقوله تعالى:

Страница 1032