832

ومما يكذب دعواه أن اليهود عبدوا عزير، والنصارى عبدوا المسيح، وبنوا ثليج عبدوا الملائكة، كما نطق به الكتاب والسنة، مع أن بني ثليج ما رأوا الملائكة ولا عرفوا أشكالهم، وكذا القوم الذين جاء القرآن بأنهم كانوا يعبدون الجن على بعض التفاسير، وكذا قوم إبراهيم[438] عليه السلام كانوا يعبدون الكواكب، والقمر، والشمس، كما كانوا يعبدون الأصنام، وكذا عباد العجل الذي أخرجه السامري وله خوار، إ،ما عبدوه؛ لأنهم سمعوا خواره، وما عهدوا ذلك فيما كان يفعل البشر وما عظمت به فتنتهم إلا لذلك، ولو كان كغيره من الصور المصورة والجلامد الصامتة لماعظمت به الفتنة، وكذا قوم فرعون عبدوه دون غيره من البشر الذين يرجى منهم مطلق النفع والدفع، ما ذلك إلا لأنهم رأوا أن ضره ونفعه آجل، وأكثروا عبادة الوثنية للأصنام هي من هذا القبيل، فإن كانت عبادة هؤلاء لأجل أن تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى فعبادة الأصنام كذلك، وسقط جميع كلام المعترض، وإن كانت لأجل مظنة النفع بغير الشفاعة والتقريب إلى الله زلفى كانت عبادة الأصنام بعيدة عن ذلك، وكان شأن عباد الأصنام أن يعبدوا بني آدم، والملائكة، والجن، والكواكب، لما عرفت من أن بني آدم أنفسهم مظنة النفع والظر، وكذا الملائكة والجن دون الأصنام التي تكفيها من أوصاف العجزعن النفع والضر كونها جلامد منحوتة فضلا عن كون قبولها للنحت والتشكيل هو الذي صيرها أهلا للنفع والضر، فما بقي إلا أنهم خصوها بالعبادة ضلالة منهم، وظنا أنها شفعاؤهم عند الله تعالى، وأنها تقرب إليه زلفا، أو على أحد الوجوه السابقة التي نقلها سعد الدين عن الإمام الرازي.

وأما ما جاء به هذا الرجل فما يستعاذ من الخذلان الموقع في مثله.

الرابعة: دعوه أن المشركين نافون لإرادة الله لما فعلوه، كما قال من غير مدخلية لقدرة الله وإرادته في ذلك، كما يقول المعتزلة ومن يحذوا حذوهم: إلى آخر ما قال وهذه الدعوى منهم مصادفة لصريح ما حكاه الله تعالى في مواشع من كلامه الذي هو تنزيل من حكيم حميد، كقوله تعالى: {لو شاء الله ما أشركنا} وغيرها من الآيات الناطقة بأن مذهب المشركين على حد مذهب المجبرة، لا على مذهب المعتزلة.

وعن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال: بعث الله محمدا إلى العرب وهم قدرية أي تبعا لمن قبلهم يحملون ذنوبهم على الله تعالى وتصديقه، {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} وقد حكاه سعد الدين في شرح المقاصد، وصرفه إلى غير معناه، إذ علم أن جار الله قد أورده في الكشاف وأرتضاه، والحق واضح لا اشتباه.

Страница 936