774

وأما ثانيا: فلأن الآية المذكورة ناطقة بأنهم أي عباد الأصنام ناحتون للأصنام وعاملون فيها أعمالا وهي الأشكال، ولا نزاع لأحد من المجبرة في أن الايثار الخارجة عن محل قدرة العبد لا تسند ولا تضاف إلا إلى قدرة مؤثرة محصلة، لا إلى قدرة كاسبة، فقد لزمهم بمقتضى هذا أن تلك الأشكال والآثار التي في الأصنام واقعة وحاصلة بتأثير من عباد الأصنام لا من الله تعالى؛ لأنه سبحانه أضافها إليهم مع كونها خارجة عن محل قدرتهم، ولا دخل لكسبهم فيها بدون تصورخلاف لأحد من المجبرة، وما لا يكون للعبد مكسوبا فإنه لايكون إليه منسوبا؛ لكن الله تعالى قد نسبها إليهم فتكون أعمالا لهم، وليس كونها أعمالا لهم بمعنى أنها مكسوبة لهم، إذ لا دخل للكسب فيها كما عرفت، فلزم أنهم هم المؤثرون فيها بقدرتهم واختيارهم بلا نزاع كما عرفت، فيمتنع أن يؤثر فيها الباري تعالى، وإلا لزم أثر واحد بين مؤثرين تامين، وهو ممتنع اتفاقا، وسيأتي لهذا مزيد توضيح في موضع فاحفضه فإنه من المراصد الحاسمة لتشبثهم بهذه الشهبة وأمثالها مما حذر الله تعالى من اتباعه، ولا شبهة في أن صنيع هذا المعترض وأمثاله اتباع لما تشابه من القرآن، فليحذروا اتباعا إلا من الرحمان بلسان نبيه عليه الصلاة والسلام ، ومن العجائب أنه جاء بهذا الكلام على هذه الآية الكريمة بيانا لبناء الدليل على أمر مسلم بزعمه، فإن أرادوا أن هذا الذي أورده مسلم عند خصمه فهو فرية بلا مرية، أو مجازفة بغير درية، وإن أراد أن كون الموصول عبارة عن الأصنام، في قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} أمر مسلم عند الخصم، فلا يفيده في تمام دليله، بل ستعلم أنها مصادرة على المطلوب، بل ستعلم[404] أنه بنى دليله على ما ليس مسلما لا عند المعتزلي ولا عند الأشعري، فهذا ما يقضي سنة العجب، ثم نقول: لا شك أن جار الله رحمه الله لم يستدل لمجرد الإسناد لما عرفت من أنه لا خصوصية لهذه الآية، أي قوله تعالى: {قد أفلح من زكاها} فإن القرآن الكريم من أوله إلى آخره مشحون بذلك، وإلا فما معنى إياك نعبد وإياك نستعين وغيرها إلى قل أعوذ برب الناس، وقد اعترف بذلك الرازي في النهاية، وحكاه عنه سعد الدين في شرح المقاصد ولم يجد بدا أي الرازي من القول بأن الفعل بمجموع قدرة العبد .........وهو اعتزال مستور كما أشار إليه السعد وهو مشهود، وأوما إمام الحرمين فقد كشف القناع في النظامية ونطق بالحق بلا محاياه، وأن أباه من اتبع أباه، وإنما الذي أراده جار الله رحمه الله تعالى هو ما سبقت الإشارة إليه من أنه لا مجال للجدال بالكسب في فعل التزكية والتدسية يقوم بالعبد ولا يكون محصلا له بل المحصل له غيره كما تدعيه الأشاعرة في سائر أفعال العباد، وبهذا ظهر أن معنى التزكية تحصيل الزكا، والتدسية تحصيل النقص والإخفاء، وقد اعترف بهذا المعنى الإمام الرازي في تفسيره الكبير المرسوم بمفاتح الغيب فقال في تفسير قوله تعالى {ولكن الله يزكي من يشاء} التزكية كالتسويد والتحمير فكما أن التسويد تحصيل السواد فكذا التزكية تحصيل الزكا في المحل هذا لفظه، وهو اعتراف بحمد الله بما أشار إليه جار الله، فمن شاء فليراجعه، وحينئذ فلا محال للكسب؛ لأن التحصيل ليس كم شأنه عند مثبته هو القيام والمحلية كما مر لا الإيجاد والتحصيل، فإن قلت أن أول هذه الآية التي فسرها الإمام الرازي دليل على مذهب المجبرة فإنه تعالى قال: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء}، قلت: هذا خيال كاذب.

أما أولا: فلأن الفضل والرحمة لا يستلزمان الجبر وخلق الأفعال، بل ينافيانه وهو ظاهر.

Страница 870