Ихтирас
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
سابعها: أنك كررت ذكر النظر وتشبثت بعدم استقلاله وغفلت عن مذهبك في حصول العلم عقيب النظر، وأنه بمحض خلق الله تعالى على جهة العادة، فيجوز الجهل عقيب النظر الصحيح كما مر، وحينئذ لو قيل لك أن عدم استقلال النظر لا يفيدك؛ لأن الله تعالى لم يخلقه بل خلق الجهل عقيبه، وقد كررت هذا في مواضع ذاهلا عن أصلك، مسترسلا مع عقلك، ولنزده إيضاحا ليظهر لكل ناظر سوء جهلك، فنقول أن النظر عندكم أيها الأشاعرة ليس موجبا للعلم بطريق ..........كما يقوله المعتزلة ولا بطريق أخرى، كما يقوله بعض أوائل الأشاعرة، وإنما هو بخلق الله تعالى مقارنا لقدرة حادثه للعبد الناظر، وليست هذه القدرة هي القدرة على النظر لتقدمها، إذ هي مقارنة للنظر المتقدم على العلم بالضرورة، والقدرة لا تتقدم عندكم أيها الأشاعرة، فثبت أنها قدرة أخرى، قلبيه حادثة مقارنة للعلم المخلوق غير مؤثرة فيه، وليس بينها وبين القدرة على النظر تلازم، فلا تلازم أيضا بين العلم والنظر، إذ كل منهما مقارن لقدرة حادثه غير القدرة الأخرى، وكل منهما حاصل بخلق الله وتأثيره تعالى عند وجود القدرة عليه بطريق العادة، وبهذا يندفع مما يقال أن جري العادي في حكم اللزوم العقلي، ووجه الإندفاع ظاهر ما أشرنا إليه، حيث أشرنا إلى أن اللزوم العادي على فرض تسليمه، إنما هو بين القدرة والمقارنة للعلم، وبين العلم الحاصل بتأثير الله تعالى عند حدوث القدرة عادة، وليس التلازم العادي بين النظر والعلم، وأيضا فإذا كان للعلم قدرة [397] غير قدرة النظر كما هو مقتضى مذهب الأشعري، كان الناظر متمكنا من ترك العلم بعد كمال النظر الصحيح، كما أشار إليه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني، وإذا كان متمكنا من تركه ارتفع التلازم بنه وبين النظر، بالكلية إذ لا معنى للملزوم إلا ما يستلزم حصوله حصول لازمه بغير اختيار مختار، وعلى فرض التلازم العادي بين العلم والنظر كالتلازم العادي بين الإحراق ومماسة النار، على ما قالوا: يلزم مقارنة العلم للنظر، كما يلزم مقارنة الإحراق للمماسة، وحينئذ تكون القدرة على النظر قدرة على العلم أيضا، لوجوب مقارنتها عند الأشعري؛ لكن ليست القدرة على النظر عين القدرة على العلم عنده أي الأشعري كما عرفت، ويلزم أيضا حصول العلم عند أول نظر، ومعلوم أنه غير حاصل بل غير صحيح، وعلى فرض أنه لا يلزم مقارنة العلم للنظر، لا نسلم امتناع التخلف عقلا وإن كانت العادة جارية بعدم التخلف؛ لأن النظر على هذا المذهب لا دخل له في حصول العلم أصلا، بل إنما هو بخلق الله تعالى، فجاز أن الله تعالى لا يخلق العلم عقب النظر الصحيح في المقدمات المنتجة، لا سيما على العقول بأنه تعالى هو المضل لعباده، والمغوي لهم، والملبس عليهم، وأن عادته خرق العادات، فافهم هذا الإراد يا أخا الأكرام، وتفطن للمقصود والمراد.
Страница 855