Ихтирас
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
نعم قد زعموا كما زعمت أن محل النزاع ما ذكرت وهي مغالطة قديمة الميلاد عالية الإسناد، وإنما تتابعوا فيها وتتابعوا عليها لعلمهم أن إنكار مثل قبح الظلم، وحسن العدل في العقول مكابرة وعناد، وأنت ما باليت بذلك فقلت: إنما الشأن في إثبات أن هذا الفعل الأول إحسان فوقعت فيما فروا عنه مع مناقضة نفسك فيما أدعيت أنه هو محل النزاع تبعا لهم، هذا وأنت خبير بأن أكثر الخلافيات بين المعتزلة والمجبرة متفرعة عن الحسن والقبح كوجوب التمكين واللطف، والبيان وقبول التوبة وحسن البعثة، ومسألة الأفعال بين الجبر والإعتزال، والقول بأن الله تعالى يرزق العبد حراما، ويسوقه إليه أولا، فإن ذلك بهذا الاعتبار مبني على قاعدة الحسن والقبح، وبالجملة أفعال الباري تعالى وأحكامه تعالى، وقد اعترف صاحب شرح المواقف في هذا البحث -أي بحث الرزق- بأن التحسين والتقبيح منشأ كثير من المنازعات كما سيأتي حيث صرح بأن الحكم على الله تعالى يجوز ولا يجوز مبني على هذه القاعدة، ولا يتأتى إدخال الثواب والعقاب في تلك المقامات أصلا كما مر، وسيأتي مفصلا، ولهذا رضي المعترض بمناقضة نفسه هنا، فقال: إنما الشأن...إلخ وله نظائر تقتضي أصرح من هذا، وقد صرح أيضا بمثل ما صرح به شارح المواقف على قول المؤلف رحمه الله تعالى فضل ما يفعل الله تعالى قطعا لا يقال أنه واجب ...إلخ، فليراجع فيما سيأتي إن شاء الله تعالى، وبالجملة فالأمر أوضح من ذلك، وإن فعلتم نقيض السعي في إبانة المسالك وإعانة السالك، ولهذا تعجب الشيخ محمود الخوارزمي وغيره من أصحابنا من شغل المجبرة للحيز بذكر الثواب والعقاب وهم على علم بما هو المتنازع فيه، ولا شك في عدم جريان ذلك في مثل تكليف ما لا يطاق وقهر العباد على المعاصي والكفر وجبرهم على ذاك كله، بل إيجاده منهم ثم تعذيبهم على فعله وغير ذلك في المواضع الذي اختلف فيها الفريقان بناء على قاعدة الحسن والقبح [367] عقلا، وليس العجب إلا من مثل الإمام الرازي كما مر لا سيما وقد اطلع على مقالات المعتزلة، ولعله اطلع على مثل كلام الشيخ محمود الخوارزمي المذكور، وكلامه الآتي قريبا نقله عن المحصل حيث قال: في صور النزاع قبح تكليف ما لا يطاق... إلخ مما يزيد الناظر عجبا، وكذا العجب من مثل القاضي العضد، والفاضل التفتازاني، والسيد المحقق علي الجرجاني وغيرهم من المحققين، لا من مثل المعترض وأمثاله من المقلدين، إلا أن التفتازاني قد أنشأ تلك الإشارة السابقة عن شرح المقاصد وهي كما ذكرناه هنالك مرشدة إلى المقصود، وهكذا السيد المحقق قد أشار في شرح المواقف إلى المقصود، وقد أوضحنا فيما مر أن الكلام في الحسن والقبح مع قطع النظر عن الشرعي والشارع، فأي وجه لإدخال الثواب والعقاب الآجلين في المعنى المعنى المتنازع فيه وهما في فروع الشرائع، وهل هذا إلا من باب خلط الشرعي بالعقلي، فمن ذكر من متأخري المعتزلة الثواب والعقاب، فليس مراده إلا أن الحسن والقبح في معرض ذلك لا أنهما داخلان في ماهية المتنازع فيه مع أن من تعرض لذلك لم يرد بالثواب والعقاب ما يظنه الخصوم، وإنما المراد مطلق المجازاة والمكافاة من دون ذكر آجل وعاجل ومحصله ما ذكرناه سابقا في صدر المسألة من استتباع التعظيم والحط وكونه الحسن والقبح في معرض ذلك، ولهذا قال صاحب التنقيح والتوضيح ما نصه: على أن الأشعري يسلم الحسن والقبح عقلا بمعنى الكمال والنقصان، وإن أنكرهما بمعنى أنه لا يوجد في العقل شيء يثاب العاقل أو يعاقب لأجله، فنقول: إن عنى أنه لا يجب على الله الإثابة والعقاب لأجله، فنحن نساعده في هذا، وإن عنى أنه لا يكون في معرض ذلك فهذا بعيد عن الحق، انتهى، وهذا الكلام وإن كان فيه ما فيه مما ينبهك على صحة ما ذكرناه، وأن الاعتراف بصفة الكمال والنقص غير الاعتراف بالحسن والقبح عقلا، لكن لعلمهم إنما اضطروا إلى أخذ الثواب والعقاب في محل النزاع؛ لأنهم ما تجاسروا على انكار متعلق المدح والذم كالإحسان والإساءة وصفة الكمال والنقصن كالصدق والكذب، فالمعترض إن أراد بقوله: إنما الشأن في أن هذا الفعل ..إلخ، أن العقل لا يدرك الإحسان كما ظاهر كلامه، فقد وقع فيما قرروا عنه كما مر، واقتحم ما لم يتجاسروا عليه ظاهرا مع ما عرفت سابقا من مناقضة دعواه ودعواهم في محل النزاع، وإن أراد أن الشأن في أن العقل يدرك أن هذا الفعل إحسان -أي متعلق المدح عاجلا والثواب آجلا- كما ادعوا أنه محل النزاع فقد وقع أيضا في مناقضة في غير ما موضع حيث يقولان قاعدة الحسن والقبح منشأ المنازعة في أفعال الباري وأحكامه تعالى، وأن هذا يجوز وهذا لا يجوز، وذلك لما عرفت مرارا من أنه لا معنى لإدخال الثواب والعقاب فيها فضلا عن العاجل والآجل من دعوى الأشاعرة ومن قلدهم كالمعترض أنه المتنازع فيه هو ما ذكروه في بيان محل النازع بكذبها.
Страница 789