574

وقال الغزالي في كتابه الذي سماه بالتفرقة بين الإيمان والزندقة ما نصه: إن أردت أن تنزع الحسكة عن صدرك وصدر من هو مثل حالك فخاطب نفسك وصاحبك وطالبه بحد الكفر فإن زعم أن حد الكفر ما يخالف مذهب الأشعري أو مذهب المعتزلي أو مذهب الحنبلي أو غيرهم فاعلم أنه غر بليد قد فيده التلقيد وناهيك حجة في اقحامه مقابلة دعواه بدعوى خصومه أو لا يجد بين نفسه وبين سائر المقليدن المخالفين فرقا وفضلا، ولعل صاحبه يميل من بين سائر المذاهب إلى الأشعري، ويزعم أن مخالفته في كل ما ورد وصدر من الكفر الجلي، فسله أين ثبت له كون الحق وقفا عليه حتى قضا بكفر الباقلاني إذ خالفه في صفة البقاء، وزعم أنها لليست وصفا زائدا على الذات ولم صار الباقلاني أولى بالكفر بمخالفة الأشعري من الأشعري بمخالفة الباقلاني ولم صار الحق وقفا على أحدهما دون الثاني أذلك لأحل السبق في الزمان فقد سبق الأشعري غيره من المعتزلة فليكن الحق للسابق عليه أم لأجل التفاوت في الفضل والعلم فبأي مكيال وميزان قدر درجات الفضل فإنه رخص الباقلاني في مخالفته فلم حجر على غيره فإن زعم أن خلاف الباقلاني يرجع إلى لفظ لا تحقيق وراع كما تعصف بتكلفه بعض المتعصبين زاعما أنهما متوافقان على داوم الوجود والخلاف [299] في أن ذلك يرجع إلى الذات أو إلى وصف زائد عليها خلاف قريب لا يوجب التشديد فما هي حينئذ والقول على المعتزلي في نفيه الصفات وهو معترف بأن الله تعالى محيط بجميع المعلومات على جميع الممكنات قادر على جميع الممكنات، وإنما يخالف الأشعري في أنه عالم وقادر بالذات أو بصفة زائدة فما الفرق بين الخلافين، وأي مطلب أجل وأخطر من صفات الحق سبحانه وتعالى، والنظر في اثباتها ونفيها، فإنه قال: إنما أكفر المعتزلي وأشدد عليه؛ لأنه يزعم أن الذات الواحدة يصدر منها فائدة العلم والقدرة والحياة، وهي صفات مختلفة بالجد والحقيقة والحقائق المختلفة يستحيل أن توصف بالايجاد أو تقوم مقامها الذات الواحدة فما باله يستبعد من الأشعري أن الكلام صفة واحدة قائمة بذات الله تعالى مع كونه واحدا فهو زبور، وإنجيل، وتوراة، وقرآن وهو أمر ونهي، وخبر واستخبار، وهذه حقائق مختلفة، وكيف لا وحد الخبر ما يتطرق إليه التصديق والتكذيب ولا ييتطرق ذلك إلى الأمر والنهي، انتهى إلى هنا كلام الغزالي مع اختصار يسير، وإنما أوردنا لما فيه من الشهادة على ما يدعيه في مواضع، ولما تكلم في شرح المقاصد على هذا البحث قال: المبحث السادس في حكم مخالفة أهل الخق من أهل القبلة في باب الكفر والإيمان ومعناه الذين وافقوا على ما هو من ضروريات الإسلام كحدوث العالم وحشر الأجساد وما أشبه ذلك، وخالفوا في أصول سواها كمسألة الصفات وخلق الأعمال وعموم الإرادة وقدم الكلام وجواز الرؤية ونحو ذلك مما لا نزاع في إن الحق فيها واحد، هل يكفر المخالف للحق بذلك الاعتقاد وبالقول به أم لا، وإلا فلا نزاع في كفر بعض أهل القبلة المواطب طول العمر على الطاعات بقدم العالم باعتقاد قدم العلم ونفي الحشر، ونفي العلم بالجزئيات، ونحو ذلك بصدور شيء من موجبات الكفر الذي ذكرنا، فذهب الشيخ الأشعري وأكثر الأصحاب إلى أنه ليس بكافر، وبه يشعر قول الشافعي رحمه الله تعالى: لا أرد شهادة كل أهل الأهواء إلا الخطابية لاستحلالهم الكذب.

وفي المنتقى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لم يكفر أحد من أهل القبلة وعليه أكثر الفقهاء، ومن أصحابه من قال بكفر المخالفين.

Страница 640