Ибрагим, отец пророков
إبراهيم أبو الأنبياء
Жанры
وانتهى قبل ذلك عهد الملوك الذين كانوا يسومون وزراءهم وحواشيهم أن يدفنوا أنفسهم معهم وهم بقيد الحياة، وبطل إيمان العلية بالحياة بعد الموت في جوار هؤلاء الملوك، فتفتحت الأذهان لسماع شيء جديد عن اليوم الآخر ومعنى الخلود بعد الفناء.
ولعل الصابئة كانوا في ذلك العصر يدينون بالبقايا المصفاة من هذه العبادات، ولعلهم خلطوا من أجل ذلك بين إنكار الكهانة وإنكار النبوة، فإذا جاءهم إبراهيم بأول دعوة نبوية لم يميزوا بينها وبين الكهانة التي أنكروها على كهان الهياكل المتداعية والمحاريب الدائرة. ولعل إبراهيم قد يئس منهم فاتجه إلى قبلتهم العليا شمالا حيث كانوا يتجهون إلى نجم القطب أثبت النجوم، عسى أن يستمع إليه أصحاب القبلة، وأن يكونوا على استعداد للتفرقة بين الكهانة والنبوة، فلا يشق عليهم أن يفهموا وحي الله إلى النبي كما شق عليهم أن يفهموا أن الكهان يتلقون الوحي من الله، وليس بالعسير علينا في العصر الحاضر أن نصور لأنفسنا معيشة أبناء العشائر بين الحاضرة والبادية.
فرؤساء العشيرة يقيمون بالمدن، وتستبقيهم الدولة فيها، ولا تضن عليهم بالرئاسة التي تعينهم على حكم العشيرة في بداوتها، وأبناء العشيرة يروحون ويغدون بين الصحراء والحاضرة ليعرضوا على أولئك الرؤساء مطالبهم عند ذوي السلطان، ويعقدوا صفقات القوافل أو يبتاعوا حاجتهم في حلهم وترحالهم، فلا تنقطع الصلة بينهم وبين رؤسائهم، ولا تنقطع خصوماتهم التي تلجئهم إليهم، وما انقطعت خصومات أهل البادية قط بين أنفسهم أو بينهم وبين العشائر من حولهم، فهم أبدا على مطلب من الحكام وشفاعة عند الرؤساء.
وأقلق ما تكون حياة العشيرة البادية حيث تطغى عليها عشيرة أقوى منها، ويبلغ من قوتها أن تسيطر على الدولة في عواصمها، وهكذا كانت حياة العشيرة التي تولاها إبراهيم وأبوه أيام طغت على مدينة «أور» أفواج من العيلاميين وأفواج من العموريين، ولم ينفتح أمامها سبيل الهجرة غير سبيل الشمال.
ومن اليسير أن نتخيل هنا حنكة الأب وثورة الفتى بين تداول الدول وتساقط الحكومات، فالأب يتابع سادات الوقت، ويجري معهم فيما يجرون فيه، والابن يأبى إلا ما اعتقد، وينفر من المراء والرياء، ويحفزه إلى الشمال أمل في صلاح العقيدة، وأمل في صلاح الحكومة، ثم ينقاد الأب بعد طول اللجاج؛ لأن الحنكة لا تغني عنه شيئا مع فساد الأحوال، وتفاقم الخطر من الأقوياء عن اليمين وعن اليسار.
وإذا صح أن أبا إبراهيم كان أمينا لبيت الأصنام، وكان يصنع الأصنام على يديه؛ فليست الحنكة وحدها هي التي تدعوه إلى المحافظة على تقاليد العبادة القائمة، بل له مع الحنكة داع آخر من المصلحة والمنزلة الاجتماعية، ويغلب إذن أن يكون إبراهيم قد تربى للإمامة الدينية، وتعلم العلوم التي كانت شائعة بين طبقة الرؤساء الدينيين، ومنها علم الفلك والطب والتعاويذ ورقي الأسماء.
واسم إبراهيم من الأسماء التي تنبئ عن نشأة دينية؛ لأنه - على أرجح معانيه - يفيد معنى حبيب الله. وقد كان قدماء السريان يطلقون اسم رأس الأسرة مجازا على الإله المعبود، فيسمونه الأب تارة، والعم تارة أخرى، وربما كان العم أغلب على هذا المعنى؛ لأن الرجل ينادي كل شيخ مبجل ب «يا عم ويا عماه» ... ومن هنا اسم عمرام وإبرام، ركب كلاهما من العم والأب، ومن كلمة رام التي تعني المحبة. ولعل التغيير الذي طرأ على اسم إبرام إنما استحدث لكي يفيد معنى حبيب الله بدلا من حبيب الإله الذي كان يعبده أبوه في معابد الوثنية.
وعلى أن التعليم لم يكن مقصورا على أبناء الكهان؛ فإن المثقفين الأثريين كشفوا عن أبنية ضخام كانت معدة للمكتبات والمدارس العليا، ولم يكن من النادر أن يتعلم أبناء العلية دروس الفلك والرياضة والتشريع التي ترشحهم لمناصب الدولة. واهتداء إبراهيم إلى حقائق الأجرام العلوية من طريق الفلك أمر معقول في زمانه على الخصوص؛ فإنه زمان تبددت فيه هالات الربوبية من حول الملوك، وهبطت فيه منزلة الكهانات العليا، وتصارعت فيه العقائد بين غالبة ومغلوبة، وبين متأصلة في العواصم ومقتحمة عليها، ونظر فيه المثقفون إلى الكواكب نظرة جديدة فجعلوها صورا للأرواح النورانية، ونزلوا بها من علياء الربوبية إلى مرتبة الخلائق المسخرة في الملأ الأعلى؛ فإن لم يكن مذهب الصابئة قد تم واستقر في ذلك العهد، فقد كانت له بداءة تحوم على هذه المعاني وتستشرف لما وراءها، لولا ذلك لما بقيت السريانية القديمة لغة مقدسة في كتب هذه النحلة؛ إذ كانت السريانية القديمة أعرق من السريانية المتشعبة منها، ولا يمكن أن تنعزل الطائفة الصابئية بتلك اللغة الأولى ما لم تكن بداءتها ممعنة في القدم إلى ما قبل تدوين اللهجة السريانية الحديثة.
ومن البديهي أن العقائد التي تدعمها الدولة لا تنهدم بضربة واحدة، ولا تولي أدبارها لكل منكر يجترئ عليها، فقد لقي إبراهيم عنتا شديدا من تلك العقائد المتداعية، وأشد ما تكون العقيدة دفاعا عن نفسها حين يشتد الخطر عليها، وتحس في قرارة حصنها أن الضربة تصيبها وتزلزل أركانها.
وينبغي للناقد العصري أن يلمح شيئا يستوقفه في قصة إبراهيم ووعيد الدولة له بالإحراق إن لم ينته عن تسفيه أربابها.
Неизвестная страница