Ибн Хазм: его жизнь, эпоха, взгляды и юриспруденция
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Издатель
دار الفكر العربي
Место издания
القاهرة
٦٧ - عاش ابن حزم بين الناس غنياً عنهم، ولقد بينا أنه مع غناه لم ينعم بطراوة العيش، بل كانت مع النعيم غيابات السجن، وآلام الاغتراب، وآلام ظن الناس، فلا يصح أن يقال إنه كان امرءاً لاهياً، بل كان يتخذ المال عدة وذخيرة لدفع بلايا الأيام ومعونة الأصدقاء، فاتخذه أداة عصمة، ولم يتخذه أداة شهوة. بل إن تقلب حاله، وذهاب أكثر هذه الأموال كان دافعاً له لأن يفهم أن المال ظل زائل وعرض حائل وأن الآخرة خير وأبقى، فانصرف إلى طلب ما عند الله، بدل أن يلهو بفضل ماله، وقد أدرك هذا قيمة المنابر من الذهب فكان الغنى العفيف الشاكر، ولم يكن اللاهى الكافر بأنعم الله عليه، انظر إليه وهو يتكلم عن قصوره بقرطبة، فهو يقول:
((ولقد أخبرنى بعض الرواد من قرطبة أنه رأى دورنا ببلاط مغيث فى الجانب الغربى منها، وقد امحت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها وغيرها البلى، وصارت صحارى مجدبة بعد العمران، وفيافىّ موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعاباً مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذئاب، ومعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش بعد رجال كالليوث وخرائد كالدمى، تفيض لديهم النعم الفاشية، تبدد شملهم، فصاروا فى البلاد أيدى سبا، فكأن تلك المحاريب المنمقة، والمقاصير المزينة التى كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم حسن منظرها حين شملها الخراب وعمها الهدوء، كأفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا وتريك عواقب أهلها، وتخبرك عما يصير كل من تراه قائماً فيها، وتزهد فى طلبها بعد أن طالما زهدت فى تركها))(١).
وهكذا ترى أنه وإن لم يذق طعم الفقر كلياً، فقد ذاق طعم الحرمان نسبياً. وانتهى من ذوقه الحرمان، لا إلى طلب الممنوع واتباعه، بل زهد فى الطلب وقنع بالباقى، وعلى ذلك يصح أن يقال: أنعم الله على ابن حزم العالم المتقن بنعمتى الغنى والفقر، فوجد بالغنى العيش الكريم موفوراً، فلم تذل نفسه منة العطاء، ووجد بالحرمان من أكثر من ماله، وبقاء أقله لذة الصبر والزهد فى طلب الدنيا.
(١) طوق الحمامة ص ٩٤ طبع القاهرة
58