في هذه الأثناء يجتمع المجلس الطروادي للنظر في أمر التنازل عن هيلين والكنز الذي سرقه باريس، وهي محاورة تختص هي الأخرى بالأيام الأولى للحرب. ويقول باريس إنه سوف يعيد الكنز ولكنه أبدا لن يعيد المرأة. وهكذا يودي الغدر والبغي بالطرواديين، بمن فيهم هيكتور الرائع وأسرته الجميلة، إلى التهلكة.
بعد بناء الجدار، يتذكر بوسيدون على جبل الأولمب جدارا سابقا كان قد بناه هو وأبولو من أجل الملك الطروادي لاوميدون، وهي أسوار المدينة نفسها، ويخشى من أن هذا الجدار الجديد قد يحجب مجدهم. ولذلك يفكر زيوس بالمستقبل ويعطي الإذن بتدمير هذا الجدار الترابي تدميرا كاملا ما إن تضع الحرب أوزارها. ومثلما كان الحال في التشبيهات، يشق هوميروس نافذة داخل السرد ويذهب بالمستمع بعيدا داخل عوالم موازية مدهشة؛ ومن ثم فهو في فقرات كهذه يضع أحداث الحرب في إطار أعظم في شكل يوحي بالخلود في زمن كانت فيه حرب طروادة، بكل مجدها، قد ولت دون أثر. يعتقد البعض استنادا إلى هذه التفصيلة أنه لا بد أن يكون هوميروس قد رأى منطقة ترواد بنفسه، حيث لم يكن للجدار الترابي أي وجود. (10) «الطرواديون المظفرون» (الكتاب 8)
بعد أن قدم هوميروس شخصيات قصته وخلفيتها، يلزمه أن يهيئ نقطة التحول الوسطى في حبكته، وذلك حينما يرفض آخيل البعثة التي يريد أعضاؤها أن يجعلوه يعود إلى المشاركة في الحرب (الكتاب 9). ولكي يشعر الجمهور بوجود حاجة إلى البعثة، نحتاج إلى أن نرى الآخيين متراجعين تراجعا كاملا. لم يصل الأمر بعد إلى الهزيمة الساحقة التي وعد بها زيوس ثيتيس، والتي سوف تحين لاحقا، وإنما هي نكسة خطيرة من شأنها أن تسوغ إرسال البعثة. وفي واقع الأمر أن الآخيين حتى ذلك الحين كانوا بالإجمال وفي غالب المواجهات متفوقين على الطرواديين.
يتعين على هوميروس بطريقة ما أن ينفذ مسألة اندحار الآخيين دون قتل أو جرح مقاتليه الرئيسيين؛ أوديسيوس، وأجاممنون، ومينلاوس، وديوميديس، الذين يدخر هوميروس أمر القضاء عليهم إلى القتال الرهيب القادم. ويفعل هذا بأن يجعل زيوس يمسك بزمام الموقف بغلظة إلى حد ما وينزل صواعق تلقي الرعب في قلوب الآخيين وتثبط إرادتهم. ورغم ذلك يعيد الآخيون تنظيم صفوفهم ويحظى البطل الثانوي توسر (الأخ غير الشقيق لأياس الأعظم شأنا) ب
aristeia «لحظة امتياز»، وكأن هوميروس لا يستطيع أن يكبح جماح نفسه من الاحتفاء ببطل آخي.
في العلياء، يحظر زيوس على الآلهة أن يتدخلوا، وبخاصة أثينا وهيرا، اللتين تكرهان طروادة وسبق وأن آزرتا الآخيين، ويعلن عن قوته في صورة مباراة لشد الحبل؛ إذا أمسك كل الآلهة الآخرين حبلا وحاولوا زحزحته، فبمقدوره أن يقتلعهم جميعا ، ومعهم الأرض والبحر. يعتلي هوميروس مركبته ويذهب إلى جبل إيدا خلف طروادة، وهي صورة تكررت لعدد لا يحصى من المرات في الأعمال الفنية فيما بعد حقبة هوميروس. يتقاتل البشر الفانون البائسون على السهل العاصف بالأسفل، أما هوميروس فيحمل موازينه ليرى إلى أي جانب سوف تميل كفة الحرب. فتهبط كفة [موت] الآخيين، وتصعد كفة الطرواديين؛ وذلك توضيحا للأمور في حال إذا ما التبس الأمر على أي من المستمعين بشأن ما ستئول إليه القصة.
قد ترجع جذور صورة زيوس المذهلة، التي يظهر فيها في هيئة الممسك بميزان الأقدار، إلى الديانة المصرية؛ فإجراء وضع قلب الرجل المتوفى في الميزان، لمعرفة إذا ما كان قد عاش حياة مستقيمة، مرسوم في كتاب الموتى الذي يرجع إلى عهد المملكة المصرية الحديثة (النصف الثاني من الألفية الثانية قبل الميلاد)، بيد أن الأمر في هذه الحالة مجرد من كل مدلول ديني. فزيوس هنا شاء للآخيين أن يعانوا، ويوضح الميزان قطعية مشيئته. والصاعقة التي تسقط أمام عربة ديوميديس، بينما كان ديوميديس يطبق على هيكتور، هي دليل قاطع على تحيز زيوس للطرواديين، وهو الأمر الذي يدركه ديوميديس؛ ومن ثم يسمح لنيستور بأن يقوده بعيدا عن ساحة القتال.
يعرب هيكتور عن ابتهاجه بالإشارات الواضحة على التفضيل الإلهي في خطابين، أحدهما يوجهه إلى القوات والآخر إلى خيوله (الإلياذة، 8، 173-197)، ولكن حتى يطيل هوميروس أمد قصته، يجعل أجاممنون يعود ليلهب حماس الآخيين مجددا (ويوافق زيوس بإرساله نسرا فألا وعلامة). يقتل رامي السهام الآخي توسر الكثيرين، إلى أن يسقطه هيكتور بحجر، في الوقت الذي يتذكر فيه زيوس مقصده المتمثل في الوقوف إلى جانب الطرواديين. ويهاجم هيكتور الخندق والجدار هجوما ضاريا، حتى إن هيرا وأثينا لا تستطيعان منع نفسيهما من التسلح وامتطاء عربتيهما، ولا تمتنعان عن ذلك إلا عندما يهددهما زيوس تهديدا عنيفا.
يركب زيوس عائدا من جبل إيدا إلى جبل الأولمب ويجلس على عرشه ويهدد الإلهتين مجددا، بأنه ينبغي ألا تكثران من الشكوى؛ إذ يتنبأ زيوس بأن باتروكلوس سوف يموت، ثم سيعود آخيل، وهي محصلة في غير صالح الطرواديين الذين تكن لهم الإلهتان كراهية شديدة. وبنبوءته تلك يبقي زيوس الأطر الرئيسية للقصة الكبرى جلية، ويثير هوميروس شهيتنا لمعرفة ما سوف تئول إليه هذه الأحداث. عندما يقيم هيكتور المفرط في الثقة والمقاتلون الطرواديون معسكرا على السهل وراء جدار الآخيين، نعتقد في وجود خطر محدق بالآخيين وحاجتهم إلى القيام بشيء حياله. (11) «البعثة إلى آخيل» (الكتاب 9)
يحتل مشهد «البعثة إلى آخيل» الكتاب التاسع ويعتبره كثيرون تسلسل الأحداث الأشهر في «الإلياذة»، ونموذجا لدراسة مسألة القدرة على الإقناع وقوة الحجة، ونقطة التحول الوسطى للحبكة الطويلة الممتدة. في مشهد «فدية خريسيس» عرفنا السبب وراء غضب آخيل؛ أما هنا فنرى ما أحدثه غضب آخيل من تغيير في ذاته وفي كيفية رؤيته للعالم.
Неизвестная страница