وكانت فاطمة أخت عمر وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما. فلما عرف عمر من نعيم أمرهما كر راجعا إليهما ودخل البيت عليهما، فإذا عندهما من يقرأ عليهما القرآن. فلما أحسوا دنو داخل عليهم اختفى القارئ وأخفت فاطمة الصحيفة. وسأل عمر: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ فلما أنكرا صاح بهما: لقد علمت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بسعيد. فقامت فاطمة تحمي زوجها فضربها فشجها. فهاج إذ ذاك هائج الزوجين وصاحا به: نعم أسلمنا، فاقض ما أنت قاض. واضطرب عمر حين رأى ما بأخته من الدم، وغلبه بره وعطفه، فارعوى وسأل أخته أن تعطيه الصحيفة التي كانوا يقرءون. فلما قرأها تغير وجهه وأحس الندم على صنيعه، ثم اهتز لما قرأ في الصحيفة وأخذه إعجازها وجلالها وسمو الدعوة التي تدعو إليها، فزاد جانب البر غلبة عليه.
وخرج وقد لان قلبه واطمأنت نفسه؛ فقصد إلى مجلس محمد وأصحابه عند الصفا. فاستأذن وأعلن إسلامه، فوجد المسلمون فيه وفي حمزة للإسلام منعة وللمسلمين حمى.
وفت إسلام عمر في عضد قريش، فأتمرت مرة أخرى ما تصنع. والحق أن هذا الحادث عزز المسلمين بعنصر جديد قوي غاية القوة، جعل موقف قريش منهم وموقفهم من قريش غير ما كان، واستتبع ما بين الطرفين سياسة جديدة مليئة بأحداث وتضحيات وقوى جديدة أدت إلى الهجرة وإلى ظهور محمد السياسي إلى جانب محمد الرسول.
الفصل السادس
قصة الغرانيق
(عود مهاجري الحبشة - الغرانيق العلا - تمسك المستشرقين بقصتها - أسانيدهم في ذلك - ضعف هذه الأسانيد - القصة ظاهرة الكذب ينفيها التمحيص العلمي) ***
أقام المسلمون الذين هاجروا إلى الحبشة ثلاثة أشهر أسلم أثناءها عمر بن الخطاب. وعلم هؤلاء المهاجرون ما حدث على أثر إسلامه من رجوع قريش عن إيذائها محمدا ومن اتبعه، فعاد كثير منهم في رواية، وعادوا كلهم في رواية أخرى إلى مكة. فلما بلغوها رأوا قريشا عادت إلى إيذاء المسلمين وإلى الإمعان في عداوتهم أشد مما عرف هؤلاء المهاجرون من قبل، فعاد إلى الحبشة من عاد، ودخل مكة من دخل مستخفيا أو بجوار. ويقال: إن الذين عادوا استصحبوا معهم عددا آخر من المسلمين أقاموا بالحبشة إلى ما بعد الهجرة وإلى حين استتباب الأمر للمسلمين بالمدينة.
أي داع حفز مسلمي الحبشة إلى العودة بعد ثلاثة أشهر من مقامهم بها؟ هنا يرد حديث الغرانيق الذي أورده ابن سعد في طبقاته الكبرى والطبري في تاريخ الرسل والملوك، كما أورده كثيرون من المفسرين المسلمين وكتاب السيرة، والذي أخذ به جماعة المستشرقين ووقفوا يؤيدونه طويلا. وحديث الغرانيق أن محمدا لما رأى تجنب قريش إياه وأذاهم أصحابه تمنى فقال: ليته لا ينزل علي شيء ينفرهم مني، وقارب قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوما في ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى:
أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى .
1
Неизвестная страница