Химиян Зад
هميان الزاد إلى دار المعاد
وهذا يدل على أن الضمير للمجنى عليه، ومثله ما اذا كان المجنى عليه وليه، ويدل على أن العفو كفارة لبعض ذنوبه، لأنه قال خطيئة بتاء لا هاء بعدها، ولو كان بعدها لا احتمل الجنس احتمالا راجحا، ويدل لذلك أنه لو رددنا هاء له الى الجانى لم يبق رابط الجواب بالشرط، فيكون كقولك من قام فانى قائم وهو مرجوح، ولو قلنا خبر اسم الشرط جملة الشرط، أو هى وجملة الجواب، والعائد الجواب، والخبر يقدر فانى قائم مثله وقبله أو نحو ذلك، أو يقدر الجواب أى فمن تصدق به فهو غير هذا التصدق، بل ينتفع الجانى لأنه كفارة له. وقد قال ابن عباس رضى الله عنه، ومجاهد، ومقاتل، أن هاء له عائدة على الجانى، ومعنى كون تصدق المجنى عليه أو على وليه بالقتل كفارة للجانى، وأنه وقاية له، ماحية للقصاص عنه والمؤاخذة ولو فى الآخرة ان تاب لم يؤخذ فى الآخرة، وكفاه العفو، ولو لم يعف صلحت توبته بالقود أو الدية أو الأرش، والندم والعزم على عدم العود، والصحيح عود الهاء لمن وهو المجنى عليه، أو على وليه فى القتل لما مر، ولأنه لا يحسن ان فعلت أنت كذا فهو كفارة لفلان، ولو صح بالتأويل.
وعن أنس ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع اليه شىء فى قصاص الا أمر فيه بعفو، وهذا يناسب بعض مناسبة العود لمن، وقيل معنى من تصدق به من أذعن للقصاص من نفسه، فمكن منه صاحب الحق ، فذلك الأذعان كفارة له تمحى بها جنابته هذه، ووجهه أن التكفير عن الجانى أحق بالذكر، لأنه أشد احتياجا الى التكفير، ولأنه الذى ذكر عنه فى المقام ما يحتاج الى التكفير، ولأن القصاص أصعب على الجانى فسهل له بذكر ثوابه، فأنه لا توبة له الا باذعانه اليه الا ان عفا عنه صاحب الحق فى هذه الأمة، أو أخذ الدية أو الأرش فما يبقى عليه الا الندم الى الله، والعزم على عدم العود، وقيل المعنى أنه ان لم يعلم الجانى فتاب فأقر وأذعن فاقراره واذعانه كفارة له. { ومن لم يحكم بما أنزل الله } بأن حكم بغيره أو ترك الحكم رأسا فتعطلت الأحكام، ولا قائم بها أو لم يعلم الحكم الشرعى فترك الحكم فتعطل فرض الكفاية، أو تحاكم اليه اثنان الى أن أظهر له الحق لصاحبه بعد ادلاء كل بحجته فسكت لا لشبهة، ولا أمر يجوز له شرعا. { فأولئك هم الظالمون } لأنفسهم ولغيرهم.
[5.46]
{ وققينا على آثارهم بعيسى ابن مريم } أى أتبعنا النبيين عيسى ابن مريم أى جعلناه تابعا بعدهم، أى آتيا بعدهم أو تابعا لهم فى الحكم فى التوراة الى أن نزل عليه ما نسخ بعض التوراة من الانجيل، فكان يحكم بهما، ويترك ما نسخ الانجيل، والباء صلة للتأكيد فى المفعول الأول، وهو عيسى، والثانى ضمير متصل الى النبيين كما رأيت، وانما قلت عيسى هو الأول لأنه الفاعل فى المعنى، لأنه القافى. وقول القاضى ان عيسى مفعول به ثان مشكل، ويجوز أن يكون تشديد قفينا للتأكيد، فيكون له مفعول واحد هو ضمير النبيين المحذوف، والباء حينئذ للتعدية، ولعله أراد أنه ثان فى الذكر، وعلى آثارهم متعلق بقفينا على جهة التأكيد بأن الأثر يفيد التعقيب. { مصدقا لما بين يديه من التوراة } متعلق بمحذوف حال من ما أو من ضمير لما فى بين، ومن بين للبيان، ومعنى بين يديه قبله لأن ما سبق وجوده، وحضر فهو كالشىء الحاضر بين يديك، كما أن حدث فى زمان وجودك، وحضر فهو بين يديك، ومعنى تصديقه بالتوراة ايمانه بها ، وعمله بها الا ما نسخ منها بالانجيل، فمذ نسخ لم يعمل به. { وآتيناه الإنجيل فيه هدى } من الضلال. { ونور } بيان للأحكام، والجملة حال من الانجيل، وقرأ الحسن بفتح همزة انجيل، وساغ ولو يخرج به عن أوزان العرب، لأنه أعجمى. { ومصدقا لما بين يديه من التوراة } مصدقا معطوف على جملة فيه هدى ونور، وهى حال مصدقا حال معطوفة، وكذا ان عطفنا مصدقا على فيه أو متعلقة المحذوف اذا جعلناه حالا، وهدى فاعله وهو أنسب، لكون المعطوف عليه حينئذ مفرد المعطوف، لكن اذا قدرناه وصفا أى وآتيناه الانجيل ثابتا فيه هدى ونور، ومصدقا، وعلى كل حال فهو من عطف حال حقيقية على حال سببية، كقولك جاء زيد قائما أبواه فرحا، وهذا التصديق من الانجيل للتوراة، والأول قبله من عيسى عليه السلام لها فلا تكرير. { وهدى وموعظة للمتقين } حالا معطوفان على ما عطف عليه مصدقا، أو مفعول لأجلهما معطوفان على مفعول لأجله محذوف، والناصب آتينا أى وآتيناه الانجيل الى آخره، فضلا أو منه، وهدى وموعظة، أو مفعول لأجلهما لعامل محذوف، أى وآتيناه الانجيل هدى وموعظة، وخص المتقين بالذكر لانتفاعهم به، وليس ذلك تقرير، لأن المراد والله أعلم هدى وموعظة للمتقين من النصارى، وهم من يؤمن برسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
[5.47]
{ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } منصوب بقول محذوف معطوف على قفينا أو آتينا، أى وقلنا للنصارى حين نزل الانجيل احكموا يا أهل الانجيل بما أنزل الله فيه، وذلك نهى لهم عن الحكم بالجهل أو بالجور أو بما نسخ من التوراة، وبعد نزول القرآن يجب العمل بالقرآن، ويجوز أن يكون الكلام موجها الى النصارى الذين فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرهم الله أن يحكموا بما أنزل الله فى الانجيل من رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ووجوب التصديق به، والتفسير الأول أصح لأنه كالمقابل لقوله فى شأن التوراة
يحكم بها النبيون
وقرأ أبى وان ليحكم بادخال ان المصدرية على لام الأمر كقولك أمرته بأن قم أى قفيناهم، وأمرنا النصارى بأن لا يحكم أهل الانجيل منهم، وهم علماؤهم وآتيناه الانجيل، وأمرنا النصارى بأن ليحكم أهل الانجيل، وأن مفسرة أى وأمرنا النصارى أو أوحينا الى عيسى أن ليحكم، فهو معمول لمحذوف معطوف على قفينا أو آتينا، وقرأ حمزة وليحكم بلام الجر والتعليل، ونصب يحكم فيكون العطف على محذوف معلق بمحذوف، أى وآتيناه الانجيل للارشاد، وليحكم أو يعلق بمحذوف، أى وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه آتيناه الانجيل. { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } ومن لم يحكم من النصارى قبل القرآن بما أنزل الله فى الانجيل، فأولئك هم الفاسقون، أو من لم يحكم بما لزمه الحكم به فى عهده اليهود بالتوارة فى عهدهم، والنصارى فى عهدهم كالانجيل وهكذا من قبلهم بكتبهم، وجميع الناس من العرب والعجم اليهود والنصارى بالقرآن بعد نزوله، فأولئك هم الفاسقون. وقيل المعنى وليحكم أهل الانجيل قبل نزول القرآن بما فى الانجيل من ايجاب العمل بالتوراة، ومن لم يحكم بما أنزل الله فيها، أو بما أنزل الله فى الانجيل من ايجاب العمل به، فأولئك هم الفاسقون، وهذا خلاف الظاهر والحامل عليه ما قيل من قلة الأحكام فيه، وكله مواعظ وزواجر، وذلك الفسق والخروج عن دين الله سواء بالاشراك بأن أنكر كتاب الله، أو بالنفاق بأن لم يعمل به.
[5.48]
{ وأنزلنا إليك الكتاب } القرآن. { بالحق } مقرونا بالحق، وأل فى الكتاب للعهد الذهنى، وبالحق متعلق بحال محذوفة كما رأيت، أو بنعت محذوف هو ومنعوته مفعول مطلق، أى انزالا قرونا بالحق لا كذب فيه، ولا شك ولا عبث. { مصدقا لما بين يديه من الكتاب } مصدقا حال من الكتاب ثانية ان علقنا قوله { بالحق } بحال محذوفة، والا فحال غير مسبوقة بأخرى، وعلى تقدير حال أول فى قوله { بالحق } يجوز وجه آخر فى مصدقا، وهو أنه حال من الضمير فى الحال المقدرة، والمراد بالكتاب هنا جنس الكتب الصادق بكتب الله فقط، ويجوز أن تكون أل للعهد الذهنى، لأن الكتب لله كلها التوراة والانجيل ما سبقه من الكتب وغيرهما عهد فى الأذهان، ومعنى تصديقه ما بين يديه تقريره. { ومهيمنا عليه } رقيبا على ما بين يديه من كتب الله، يحفظها عن أن يقبل ما ينسب اليها، وليس منها، وعن ابن عباس شاهدا عليها بالصدق، وقال المبرد والزجاج أمينا عليها فيما يكون فيه من أخبارها، فهو عندهما مؤتمن من الأمانة، تقول فلان أمين على كذا، فهو بمعنى أمين لكن أبدلت همزة مؤتمن المصورة واوا هاء وفتحت وكسرت الميم، وفيه تكلف وأبدلت التاء ياء وقرىء فتح الميم الثانية بمعنى مؤتمن أى مجعول أمينا على الكتب، فهو لفظ مؤتمن قبلت همزته هاء، والتاء ياء، أو هذه القراءة من هو عليه بالبناء للمفعول، أى حوفظ عليه بمعنى أن القرآن حفظه الله، وقوى أهله على حفظه ووفقهم، لو غير منه حرف أو حركة أو سكون لم يخف، ولتنبه الناس له، وردوا ذلك ولم يقبلوه، والحمد لله وذلك فى كل عصر. { فاحكم } يا محمد. { بينهم } بين اليهود والنصارى، وبين اليهود وبين النصارى. { بما أنزل الله } اليك فى القرآن، فانه الواجب عليهم. { ولا تتبع أهواءهم } فى الحكم كما هويت اليهود تغيير الرجم الى التسويد والجلد. { عما جآءك من الحق } كرجم المحصن، وأمر القبلة وتعلق عما تتبع، لأن معنى لا تتبع أهواءهم الخ لا تمل مع أهوائهم عما جاءك من الحق، أو يعلق بمحذوف، والمحذوف حال، أى لا تتبع أهواءهم معرضا عما جاءك من الحق، أو مائلا عما جاءك من الحق. { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } لكل واحدة منكم يا معشر الأمم، أو لكل واحد منكم يا معشر الأنبياء، جعلنا شرعة ومنهاجا، الا أن بعضا يتبع بعضا كما تبع نبيون كثيرون موسى، فهم عامته فى اتباع التوراة، بل هم من أمته ولا اشكال، فلأمة موسى الى عيسى شرعة ومنهاج، ولأمة عيسى الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شرعة ومنهاج، وللناس كلهم اليهود والنصارى والعرب وغيرهم شرعة ومنهاج، من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى قيام الساعة، واستدل بعض بهذه الآية على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة.
Неизвестная страница