Химиян Зад
هميان الزاد إلى دار المعاد
" قد خيركم أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجلوهم معهم "
، وعن سعيد بن جبير كان قوم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم استرضعوا أولادهم فى اليهود زمان الجاهلية، فلما أسلم الآباء وقد كبر أبناؤهم على اليهودية، أرادوا أن يكرهوا أبناءهم على الإسلام، فنزلت الآية. قال مجاهد أرضعت نظير رجالا من الأوس، فلما مر النبى صلى الله عليه وسلم بإجلائهم قالوا لنذهبن معهم ولنديننن بدينهم فمنعوهم أهلهم وأكرهوهم للإسلم، فنزلت، وقيل كان لابن الحصين من الأنصار من بنى سالم بن عوف أبنان تنصرا، قدم المدينة نفر من الأنصار يحملون الزيت من الشام بعد قدوم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة، فقال أبو همالا أدعكما حتى تسلما فاختصموا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله أيدخل بعضى النار وأنا أنظر؟ فنزلت. فجلاهما، وقال ابن مسعود والزهرى وزيد بن أسلم إن معنى الإكراه فى الدين نهى عن القتال، فعليه فهى منسوخة بآية السيف، وقال قتادة والضحاك المعنى لا يكره أهل الكتاب والمجوس على الإسلام بالسيف، بل تقبل عنهم الجزية إلا إن أبوا منها قتلوا كتب النبى صلى الله عليه وسلم إلى عامله المنذر بن فلان أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية وهى على أصلها، أى لا إكراه فى الأحكام الشرعية من التوحيد وما دونه، أى ليس فيها شئ يكره عليه، أو المراد بالدين التوحيد، ويجوز كونها بمعنى على، أى لا إكراه ثابت على الدين، أى على الدخول فيه واللفظ خبر، ومعناه نهى، أى لا تكرهوا فى الدين أو معناه أيضا خبر أى ليس من الحكمة أو من دين الله أن يكره كافر على الدين.
{ قد تبين الرشد من الغى } ظهر بالآيات أن الإيمان هو الرشد، وأن الكفر ضلال فى الدين، والرشد يوصل إلى سعادة الدارين، والضلال إلى شقاوتهما، فمن أدرك عقله بادر إلى الإسلام واجتنب الكفر بلا إكراه. والغى مصدر غوى يغوى إذا ضل فى اعتقاد أو رأى، وأما فى غير ذلك كضلال فى الأرض أو غيرها كالحساب فلا يقال فيه غى. { فمن يكفر بالطاغوت } أى جحد استحقاقه العبادة وهو الشيطان، وهو جنس الشياطين، وهو قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه ومجاهد وقتادة، وقيل الصنم، والمراد جنس الأصنام، وقيل الساحر وهو جنس السحرة، وقيل الكاهن، والمراد جنس الكهنة، ويطلق على الواحد والجمع، فلا حاجة إلى تأويل الجنس، وقيل كل ما عبد من دون الله ونسب لأهل اللغة كلهم، والمراد غير العاقل، والعاقل الداعى إلى عبادة نفسه كالشيطان ونمرود وفرعون، وأما من عبد من دون الله بلا رضا منه كالملائكة وعيسى فلا يشمله هذا الاسم، ثم رأيت من تعرض لذلك، فزعم أنه يشمله فيسمى طاغوتا فى حق العبد، كما أن الصنم وما ليس عاقلا وعبد من دون الله ليس فيه طغيان، وإنما الطاغى عابده كالشمس والقمر، وقيل كلما يطغى الإنسان فهو طاغوت، وقيل كلما عبد من دون الله أوصد عن عبادة الله كالهوى فهو طاغوت، ولفظ طاغوت مصدر سمى به وزنه فعلوت بتقديم اللام على العين، وأصل هذا يغوت وطوغوت قلبت الياء أو الواو قيل الغين ألفا لتحركها بعد فتحة، وأصل هذا طغوت أو طغيوت تقدمت الواو أو الياء على الغين فقلبت ألفا كما ترى. { ويؤمن بالله } بأن وحده وصدق رسله فيعبد الله وحده مخلصا، وأيما كافر آمن بالله وبغيره من الطواغيت فليس بؤمن. { فقد استمسك } أى تمسك تمسكا قويا، فالاستفعال للمبالغة ويجوز إبقاءه على أصله وهو الطلب، إما باعتبار ما تقدم تمسكه من القصد والإرادة، وإما باعتبار أنه ليس على وثوق من السعادة، لإمكان انقلابه إلى الكفر أو المعاصى وهو ما دام حيا يطلب أن يكون قد مسك بها. { بالعروة الوثقى } دين الله، شبهه بالعروة الوثيقة من حبل صحيح أو حديد قوى لا يسقط من تمسك بها، وقال مجاهد العروة الوثقى الإيمان وهو التصديق بالله ورسله وكتبه، وقال السدى الإسلام أى العمل الصالح مع الإيمان، وقال ابن جبير وغيره لا إله إلا الله، وذلك يرجع بعضه لبعض، لأن الإيمان الكامل وقوله لا إله إلا الله يستلزمان العمل الصالح وقيل العروة الوثقى الإيمان النظر الصحيح، وقيل الدلائل الدالة على هذا الدين القويم، والوثقى مؤنث اسم التفضيل وهو الأوثق ففيه تفضيل.
{ لا انفصام لها } أى لا انقطاع لها، يقال فصمته فانفصهم مطاوع الفصم، كما نفصم مطاوع فصم، ومعناه الانكسار من غير تفرق، وأما الانقصام بالقاف فانكسار بتفرق، فإذا لم يكن لها انفصام بالفاء فأحرى ألا يكون لها انقصام بالقاف، وقد يطلق بالقاف على الانكسار بالتفرق وقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث الوحى " فينقصم عنى " محتمل له ومحتمل للاتصال باعتبار بقاء الموحى معه بعد ذهاب جبريل عليه السلام، قال الحسن لا انفصام لها دون أن تهجم بأهلها على الجنة. { والله سميع } بالأقوال، ومنها دعاءك يا محمد إياهم للإسلام. { عليم } للأفعال والنيات، فهو معاقب للمنافق ومثيب لناوى الخير.
[2.257]
{ الله ولى الذين آمنوا } أى محبهم، والمحب يلى محبوبه بالنصر والعون فنصره تعالى لا يفارق الذين آمنوا، ويجوز أن يكون المعنى متولى الذين آمنوا، أى متكفل بمصالحهم، والمراد بالذين آمنوا من أسلم من كفر، وقضى الله له بالثبات ويدل له قوله { يخرجهم من الظلمات } أى من الكفر بتوفيقه. { إلى النور } الإيمان، وقيل الظلمات ما يوصل إلى الكفر من الجهل وإتباع الهوى، والوساوس والشبه، والنور ما يوصل إلى الإيمان وقيل الذين آمنوا كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكفر قبل ذلك ولا ينافيه لفظ الإخراج، على أن معنى إخراجهم من الظلمات إيقاعه إياهم بتوفيقه فى الإيمان تقدمه كفرا، ولم يتقدمه استعمالا للخاص وهو الإخراج من الظلمات بعد كونه فيها فى العام، وهو الإيقاع فى غير الظلمات، بلا قيد تقدم كون فيها، قيل كل ما كان فى القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان إلا فى قوله تعالى
وجعل الظلمات والنور
فى سورة الأنعام، فالليل والنهار، أو كل ظلمة كما فى الليل، وأرض البحر ولججه، والغار وكل مكان مظلم، وكل نور كالشمس والقمر والنجوم والمصباح، لكن لا يلزم هذا، لجواز أن يراد أيضا جعل الكفر والإيمان، وسمى الإيمان نورا لأنه يتوصل به إلى النجاة والفوز، كما يتوصل بالنور المحسوس إلى المحل المقصود والحاجة المقصودة ولينجى به من الوقوع فى نحو البئر، والكون بحضرة المهالك، كالحية والسبع، والكفر بعكس ذلك، وجملة يخرجهم خبر ثان للفظ الجلالة أو حال من الضمير المستتر فى ولى، فإنه فعيل بمعنى فاعل أو حال من الذين أو حال منهما أو مستأنفة للتبيين، أو مستأنفة لتقريره الولاية فى قوله تعالى { الله ولى الذين آمنوا }. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } أخبر به على الجمع، لأنه جنس، أو لأنه يطلق على الواحد الجمع كما مر، والمراد الكفار مطلقا معنى كون أولياؤهم الطاغوت أنهم يعدون الطاغوت ناصرا لهم ونافعا، هذا فى زعمهم، والواقع غير ذلك، أو يليهم بالوسوسة والتزيين. { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } فيه الإعراب السابق بأقسامه، والنور الإيمان الذى يفطر عليه الصبى حتى يبلغ ويسعى أهله فى تكفيره، وغير أهله أو الإيمان مطلقا لم يسبقه كفر، أو سبقه، والظلمات الكفر وأسبابه كالانهماك فى الشهوات، ويجوز أن يكون النور دلائل الدين كآيات القرآن، والظلمات الشكوك والشبهات، ومعنى إخراجهم من الآيات ونحوها إلى الظلمات كون أولياؤهم سببا فى الشكوك والشبهات والإعراض عن الآيات ونحوها، وقد قال بعض إن الآية نزلت فى قوم ارتدوا، وقيل فى اليهود أيقنوا بمحمد وكتابه وهما نور، فلما بعث جحدوا ذلك وكفروا به، وقيل. كعب بن أشرف وحيى بن أخطب، وإذا فسرنا الآية بما لم يكن صاحبها فى الإسلام، فمعنى الإخراج مطلق عدم كون فى الإسلام إطلاق للمقيد على المطلق على حد ما مر، ولك وجه آخر وهو أن يشار بالتعبير بالإخراج من النور إلى أن الإيمان لوضوح دلائله، كأنه قد دخله كل بالغ كافر، ثم خرج منه وأسند الإخراج إلى الطاغوت، لأنه سبب، والفاعل الحقيق الله.
{ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } فمن كان يطيق على الخلود فى النار فليكفر، أو ليبق على الكفر ولا مطيق عليه، ولم يقل بعد هذا والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة فيها خالدون تعظيم، لشأن المؤمنين أن يذكرهم بوعد متصل بوعيد الكفرة والله أعلم.
[2.258]
Неизвестная страница