Химиян Зад
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ إلى الله مرجعكم } فى ذلك اليوم للجزاء، والمرجع مصدر ميمى بمعنى الرجوع على غير قياس، لأن مضارعه يرجع بالكسر، فقياسه الفتح كما قال ابن مالك. فى غير ذا عينه فتح مصدر { وهو على كل شئ قدير } فلا يشذ عنه ما أراد من تمتيع المؤمن، وتعذيب الكافر العذاب الشديد.
[11.5]
{ ألا إنهم يثنون صدورهم } عن الحق، أى يحرفونها عنه، أو يطوونها على الكفر والعداوة، ويظهرون خلافهما، أو يثنون صدورهم برءوسهم، أى يطأطئون برءوسهم عليها إذا لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حضروه لئلا يراهم، ويغطون أيضا وجوههم، ويولونه ظهورهم، يتواعدون على فعل ذلك، وعن قتادة يحنون صدورهم لئلا يسمعوا كتاب الله وذكره، وقرئ تثنونى بمثناة فوقية مفتوحة وهى حرف المضارعة، فثاء مثلثة مسكنة، وهى فاء الكلمة، فنون مفتوحة وهى عينها، فواو ساكنة زائدة، فنون مكسورة تكرار لعين الكلمة، فياء مثناة تحتية هى لامها بوزن يفعوعل من معتل اللام، وذلك مثل يحلولى بكسر اللام الأخير، والماضى اثنونى بفتح النون بعدها ألف كاحلولى بفتح اللام بعدها ألف، وذلك مبالغة فى الثنى، كما بولغ فى الحلاوة بقولك يحلولى. ونسب بعضهم هذه القراءة لابن عباس وجماعة، وقرئ تثنونى بمثناة فوقية مضمومة وهى حرف المضارعة، فثاء مفتوحة مثلثة هى فاء الكلمة فواو ساكنة زائدة فنون مكسورة هى عينها، فياء مثناة تحتية هى لامها ككوثر بكوثر. ونسبها بعضهم لابن عباس، وقرئ تثنوى بوزن ترعوى ، وقرئ تثنون من الثن وهو ما ضعف وهش من الحشيش، يريد مطاوعة صدورهم للتحريف عن دين الله، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم، وهو بتاء مثناة فوقية مفتوحة، فمثلثة هى لام الكلمة مسكنة، فنون مفتوحة هى عين الكلمة، فواو مكسورة زائدة، فنون مشددة يقع الإعراب فيها، والمدغمة زائدة تكرار لعين الكلمة والمدغم فيها لام الكلمة، ووزنه تفعوعل من المضاعف، وأصله تثنونن بإسكان الواو وكسر النون الأولى، نقل كسرها للواو فأدغمت، وبرئ تثنئن بمثناة مفتوحة، فمثلثة مسكنة هى الفاء، فنون مفتوحة هى العين، فهمزة مكسورة زائدة أصلها ألف، فنون مشددة المدغمة لام زائدة، والمدغم فيها لام أصل أو بالعكس مضارع اثنان بكسر الهمزة، إذا ثبتت، وإسكان التاء وفتح النون والهمزة وتشديد النون كاحمار، والصدور على هذه القراءة مرفوع على الفاعلية. { ليستخفوا } متعلق بمحذوف، أى يفعلون ذلك ليستخفوا، واللام صلة للتأكيد وما بعدها مفعول لمفعول، أى يريدون ليستخفوا أى يريدون أن يستخفوا { منه } أى من الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ما فعلوا، قاله مجاهد وقيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس نزل ذلك فى الأخنس بن شريق، كان رجلا حلو المنظر حلو الكلام، وكان يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة، وكان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم مجالسته، وهو يضمر خلاف ما يظهر، وقيل نزلت فى منافقين كانوا يستترون عن رسول الله كراهة رؤيته، ويرده أن الآية مكية، والنفاق حدث بالمدينة حفظها الله، ورد الله علهم بأنه لا يخفى عنه شئ، سواء أراد إخفاءه عنه أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيظهره له إذ قال { ألا حين } متعلق بيعلم بعده أو بمحذوف، أى يريدون الاستخفاء حين { يستغشون ثيابهم } يجعلونها أغشية وأغطية، أى يغطون رءوسهم وأبدانهم بها للنوم مثلا، أو ليستتروا عنه أو رءوسهم لئلا يروه أو يسمعوا.
{ يعلم ما يسرون } ما يخفونه من كلام فى قلوبهم ومن أبدانهم وأشخاصهم { وما يعلنون } من كلام وبدن وشخص، لا يتفاوت الإسرار والإعلان فى علمه { إنه عليم بذات الصدور } أى بالكلمة صاحبة الصدور، ولم ينطق بها اللسان، أو بنفس الصدور، وحالها فكيف بما فيها، بل سواء عنده، وقيل ما يسرون من الكفر والحقد، وما يعلنون من الإيمان. وقيل كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخى ستره، ويحنى ظهره، ويتغشى بثوبه، ويعتقد عداوة الرسول ويقول هل يعلم الله ما فى قلبى، فنزل ذلك مخبرا لهم بأنه يعلم ما فى قلوبهم حينئذ، فكيف لا يعلم ما يثنون به صدورهم، وقد يظهرونه. وحكى الطبرى، عن ابن عباس أن ذلك نزل فى قوم مؤمنين لا يجامعون ولا يقضون حاجة الإنسان، حيث يعرون إلى السماء إلا إن استتروا بثيابهم، وكذا حكى البخارى، وعلى صحة ذلك كأنهم ظنوا أو تخيلوا أنهم حين الاستغشاء لا يراهم الله، فنزلت الآية بيانا لكونه لا يخفى عنه شئ لا إباحة للتعرى إلى السماء، ولكن ذلك بعيد عن المؤمنين إلا إن كانوا حديثى عهد بالإيمان فقل فقههم، والذى عندى أن يكون الثنى والاستخفاء فى الكفار، ومجرد الاستغشاء عند الجماع، والقضاء لهؤلاء المؤمنين على صحة ذلك، رد بعلم ذلك منهم على هؤلاء الثانين المستخفين.
[11.6]
{ وما من } صلة للتأكيد { دابة } هى ما يدب على الأرض من إنسان وغيره فى العرف بماله أربع أرجل { فى الأرض } نعت لدابة، أو متعلق بدابة، على أن المعنى ما من نفس تدب على الأرض { إلا على الله رزقها } وعدها به، وتكفل لها به، فهو رازقها لا محالة، لأنه لا يخلف الوعد، فكأنه واجب عليه، وإلا فهو منه فضل، ولشبهه بالواجب من حيث إنه لا بد من وقوعه، أتى باللفظ الموضوع للوجوب، وهو على مع ما فيه من تحقيق الوصل والحمل على التوكيل فيه، ولا يصح أن يقال إنه واجب عليه ولو ضمنه ووعد به، بل يقال إنه لا يخلف الوعد خلافا لما يوهمه كلام جار الله، إذ قال هو تفضل، إلا أنه لا لما ضمن بأن يتفضل به عليهم رجع المتفضل به واجبا كنذور العباد، وزعمت الكرامية أنه واجب عليه، وما ذكرته فى تخريج الآية أولى من قول بعض إن على بمعنى من. { ويعلم مستقرها } موضع استقرارها وسكناها من الأرض فى الحياة { ومستودعها } موضع استيداعها بعد الممات، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقيل المستقر الأصلاب، والمستودع الأرحام، وقيل المستقر مكانها ومسكنها من الأرض، والمستودع ما كانت فيه قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة. وقال ابن مسعود المستقر الرحم، والمستودع المكان الذى تموت فيه، وقيل المستقر الجنة والنار، والمستودع القبر، وذكر عكرمة عن ابن عباس أن المستقر الرحم، والمستودع الصلب، وقال الكلبى المستقر مكانها الذى تأوى إليه فى الليل، والمستودع مكانها بعد موتها، أجاز بعض أن يكون المستقر الموضع الذى تستقر فيه، فالفعل بعد وجودها فى الخارج، والمستودع موادها كالمنى والعلقة، والمقار كالصلب والرحم، فإن الدابة قبل وجودها فى خارج البطن ليست مودعة فى ذلك بالفعل، بل لقوة لأنها ليست حالها حين كانت نطفة أو علقة أو غيرهما كحالها حين كانت خارج البطن. { كل } من الدواب وأحوالها { فى كتاب مبين } ظاهر أو مظهر وهو اللوح المحفوظ، كتبت فيه، وذلك بيان لكونه عالما لأشياء كلها، وبين به أنه قادر على الممكنات كلها، تقريرا للتوحيد، لما سبق من الوعد والوعيد به بقوله { وهو الذى خلق السماوات }.
[11.7]
{ وهو الذى خلق السماوات } مع ما فيهن، أو أراد بالسماوات بها ما فى جهة العلو والسمو { والأرض } مع ما فيها، أو أراد بها ما فى جهة السفل { فى ستة أيام وكان عرشه على الماء } قبل خلقهن، وذلك من كمال القدرة، إذ جعل الماء حاملا للجسم العظيم وهو العرش. روى أن الله خلق ياقوتة خضراء فخشعت بأمر الله فصارت ماء، وخلق الريح وجعل عليه الماء، ثم العرش وجعله على الماء، ثم خلق السماوات والأرضين من دخان من ماء، ثم القلم وكتب ما كان قبله وما يكون، ومجد ذلك الكتاب ألف عام، ثم سائر الخلق، وقيل خلق العرش قبل الريح، وليس خلقه ذلك احتياجا إليه تعالى، بل كلما ازدادت الأجرام كانت أحوج إليه وإلى إمساكه. وروى أنه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض.
" وسأل أبو زين العقليى رسول الله صلى الله عليه وسلم أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ فقال " كان فى عمى " "
بالقصر وهو ماخفى، يعنى كان ولا شئ معه، فضلا عن أن يكون فيه تعالى عن الحلول والحيث والأين، فما ليسه بثبات فهو عمى عن الخلق، لكونه ليس شيئا، ويجوز أن يكون المراد أين كان عرش ربنا؟ فأجابه بأنه كان فى عمى، أى فى غير شئ، ثم خلق الماء فجعله عليه، وأجابه بأنه كان فى عماء بالمد وهو السحاب الرقيق أو الكثيف أو الضباب، والمعنى أن عرشه كان عليه قبل خلق الماء، ثم كان على الماء، أو المعنى أنه تعالى على ذلك، أى مستول عليه خالق له. { ليبلوكم } متعلق بخلق، وقيل بأعلم محذوفا، أى أعلمكم بذلك والأول أولى، أى لم يخلقهن عبثا، بل ليفعل بكم فعل من يختبر أحوالكم، وقد علمها، ولكن ليقطع معاذركم، ففى الكلام استعارة تمثيلية تبعية، شبه حال المكلف الممكن المختار مع تعلق علم الله بأفعاله، بحال المختبر، ثم استعير لجانب المشبه { ليبلوكم } الخ موضع " ليعلم أيكم " الخ، والقرينة أن الله لا يخفى عنه شئ. { أيكم أحسن عملا } أطوع لله فى الاستدلال بهن على وجوده، وكمال قدرته، واشكر لنعمه التى منهن كالماء والنجوم، والشمس والقمر، والنبات والسكون، والجملة مفعول ليبلو معلق عنها بالاستفهام، لأنه بمعنى العلم من حيث إنه طريق إلى العلم، وكما يكون التعليق عن المفعولين يكون عن المفعول، فيبلوا متعد لاثنين، لأنه بمنزلة يعلم هنا، فعلق عن الثانى بمعنى أنه عطل عن أن يكون ثانية مفردا، هذا تحقيق المقام. ولم يذكر عمل الشر، مع أن الابتلاء والاختبار عم المؤمن والكافر إعراضا عن المعصية، وتنبيها على أنه لا سبيل لأحد إلى شئ ما منها، وقال أحسن بصيغة التفضيل، ولم يقل حسن بصيغة الصفة المشبهة تحضيضا على معاطاة المقام الأعلى فى العمل الشامل لعمل الجوارح، وعمل اللسان، وهو التكلم بخير، وعمل القلب وهو اعتقاد الغير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
Неизвестная страница