Химиян Зад
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ فى السماوات ولا فى الأرض } حال من الرابط المحذوف، أى بما لا يعلمه ثابتا فى السماوات ولا فى الأرض، وفيه تأكيد للنفى، فإن ما يتأهل للعبادة إما سماوى، وإما أرضى، ولا موجود فيهما إلا وهو حادث مقهور مثلهم، لا يليق أن يشرك به، وإنما لم جعل يعلم متعديا لاثنين ثانيهما فى السماوات، إذ ليس المراد العلم بأنه فيهما، بل العلم بأنه موجود فافهم، وقد يجوز أن يجعل متعديا لاثنين على الكناية بنفى الثانى عن نفى الأول، كما رأيته فى وجه الحال. { سبحانه وتعالى عما يشركون } ما مصدرية أى عن إشراكهم، أو اسم أى عما يشركونه به، وذلك استئناف، وقرأ حمزة والكسائى، وأبو عبد الرحمن، هنا، وفى موضعى النحل، وفى النمل، والروم، تشركون بالفوقية، وزعم أبو حاتم أن نافعا، وابن كثير قرأ هنا وفى النمل بالفوقية، وزعم أبو حاتم أن نافعا، وابن كثير قرأها، وفى النمل بالفوقية وفى رواية والمشهور أنهما قرآ بالتحتية.
[10.19]
{ وما كان الناس إلا أمة واحدة } على الإسلام، وذلك على عهد آدم عليه السلام { فاختلفوا } إسلاما وكفرا حين قتل قابيل هابيل ظلما، وذلك أيضا على عهد آدم، وقيل كانوا أمة متفقة على الإسلام إلى زمان نوح عليه السلام، فاختلفوا فبعثه الله تعالى، ولا يرد على هذا ذكر قابيل ونحوه من الشواذ. وقيل المراد أنهم فى سفينة نوح، وبعد الخروج منها أمة متفقة على الإسلام، واختلفوا بعد ذلك، وذكر بعضهم أن المراد أنهم العرب، كانوا على الإسلام من لدن إبراهيم الخليل، إلى أن غيره عمرو بن يحيى أبو خزاعة، رحل إلى الشام، فرأى العماليق يعبدون الأصنام، فأعجبه ذلك فقال ما هذه الأصنام التى أراكم تعبدونها؟ قالوا هذه أصنام نستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال أعطونى منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه صنما يقال له هبل، فنصبه بمكة، وأمر بتعظيمه وعبادته. وقيل إن أول ما كانت عبادة الأحجار فى بنى إسماعيل، كانوا لا يظعنون عن مكة فضاقت فتفرقوا فى البلاد، وما ظعن منها أحد إلا حمل معه حجرا من الحرم تعظيما له، فحيث ما نزل وضعه وطاف به كالكعبة، وأفضى ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحسنوا من الحجارة. وقيل المراد أنهم أمة واحدة، حين خرجوا من ظهر آدم كالذر، متفقون على الإسلام، واختلفوا بعد ذلك فى أزمنتهم كفرا إيمانا، وقيل اتفاقهم على الإسلام حين ولادة كل، فإن كل مولود قد ولد على الإسلام حتى يكون أبواه يعلمانه الضلال، وقيل المراد اتفاقهم على الكفر حتى بعث الله الرسل بعد الفترة، فاختلفوا فبعض أصر على الكفر، وبعض أسلم، فلا تطمع يا محمد فى أن يكونوا كلهم مؤمنين، فإنهم كانوا أولا على الكفر، والإسلام حادث فيهم، وهذا تسلية، وهذا قول الحسن وطائفة، وقيل الأمة الواحدة آدم، وقيل آدم وحواء. { ولولا كلمة سبقت } نعت لا خبر، وأجاز بعضهم ذكر الخبر بعد لولا إذ كان كونا خاصا، وحذفه إذا دل عليه دليل، وأوجب ذكره إن لم يدل عليه، فعلى هذا يجوز كون سبقت خبرا { من ربك } إن رحمتى سبقت غضبى، أو إن الحكم بينهم يوم القيامة لا قبله، أو إن الثواب والعقاب فيه لا قبله. { لقضى بينهم } حكم بينهم فى الدنيا بإهلاك المبطل وإبقاء المحق، أو بإدخاله النار، والمحق الجنة { فيما فيه يختلفون } من الدين، وقرأ عيسى بن عمرو لقضا بالألف بعد الضاد، وفتح القاف والضاد.
[10.20]
{ ويقولون لولا } هلا { أنزل عليه } أى على محمد، وساغ التذكير فى أنزل، لأن التائب ظاهر مجازى التأنيث، ولوجود الفاصل { آية من ربه } تلجئ الناس إلى الإيمان، وما هذا عادة الله فى خلقه، ولا بحكمة فى كل قوم على الإطلاق، ولو كان ذلك فى قوم إنما هى آيات معرضات للإيمان، يؤمن من يؤمن، ويكفر من يكفر، وكانوا لا يعتدون بآية القرآن، تمردا مع أنه آية بديعة معجزة، لا يغيرها الدهر، لم ينزل على نبى مثلها، وقيل أرادوا آية كعصى موسى ويده، وناقة صالح، ومائدة عيسى. { فقل إنما الغيب لله } لا لغيره، فلا أدرى أينزلها أم لا، وما على إلا البلاغ، أو لعله ما فى نزولها على من المفسدة، أو اقتضت حكمته أن الآية التى هى مثل ذلك إذا لم تؤمن بها الأمة عجل عذابها، فلم ينزلها رحمة بكم، وإبقاء عليكم. { فانتظروا } نزول ما أردتم نزوله { إنى معكم من المنتظرين } لما يفعل بكم لعنادكم وجحودكم، وإعراضكم عن هذه الآيات إلى غيرها، وقد تبين لهم العجز عن مثل القرآن، وعلموا ذلك، ولكنهم يكابرون ويعاندون، كقولهم
لو نشاء لقلنا مثل هذا
وصدق الله أنتظاره صلى الله عليه وسلم بنصره فى بدر وغيرها، وليس ذلك منسوخا بآية السيف كما قيل، لأن المراد بهذا الانتظار التهديد والوعيد، لا الإعراض عن ترك القتال، أو عن ترك الابتداء فيه.
[10.21]
{ وإذا أذقنا الناس } مطلقا أو كفار مكة { رحمة } فى البدن والمال { من بعد ضراء } شدة ضارة بهم كقحط ومرض { مستهم } أصابتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم، كما يحس الجسم جسم الآخر، والجملة صفة ضراء. { إذا } للفجاءة رابطة لجواب إذا الشرطية { لهم مكر فى آياتنا } احتيال فى دفعها بما أمكنهم، وقيل استهزاء وتكذيب به، قال الحسن، ومجاهد قيل قحط أهل مكة سبع سنين وكادوا يهلكون، ولما رحمهم الله بالمطر والخصب شرعوا يقدحون فى آيات الله سبحانه وتعالى، ويكبدون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل الآيات رحمته الدالة عليه، ومكرهم قولهم سقينا بنوء كذا، والأنواء منازل القمر، تنسب العرب كالمنجمين الكفرة المطر والريح إليها، فبعض العرب ينسبها للطالع لأنه نئ أى ظهر، وبعض للغارب الساقط لأنه نئ أى بعد، وذلك كفر شرك لا كفر نعمة، كما زعم بعض، ونسبتهما إلى ذلك باعتبار العادة مكروه، وقيل حرام، ويأتى كلام إن شاء الله فى سورة الفتح. { قل الله أسرع مكرا } جزاء فى خفية، أو كيدا باستدراج، أو جزاء مكركم، قال الحسن إذا أراد الله أن يهلك قوما كان عذابهم أسرع من لمح البصر، وذلك فى الدنيا، كوقعة بدر، أو يوم القيامة، وعلى كل حال هو أسرع من مكرهم، من حيث إنه واقع لا محالة، ومكرهم لا يدرون أيتأثر أم لا، أو من حيث إنهم فى مقدمات مكر الله من وقتهم ذلك، أو من حيث إن الله عز وجل دبر عقابهم قبل أن يدبروا كيدهم. وإنما قال أسرع بصيغة التفضيل، لأن كيدهم أيضا سريع كما ينص عليه لفظ الفجاءة، وترتيب المكر على أول طعم الرحمة المعبر عنه بالذوق، أو أسرع اسم تفضيل خارج عن معنى التفضيل، فهو بمعنى سريع، وعلى كل حال فصوغه من سرع الثلاثى لا من أسرع الرباعى، وأجاز بعضهم بناء اسم التفضيل من الرباعى المبدوء بالهمزة لغير التعدية، كأسرع وبعض ولو للتعدية. { إن رسلنا } قال أبو حاتم خفف الحسن، وابن أبى إسحاق، وأبو عمرو السين بالإسكان وهم الحفظة { يكتبون ما تمكرون } لتجازوا به، فليس مكركم بخفى عن الحفظة، فضلا عن الله، فهذا تحقيق للانتقام، وهذه الجملة تقوى أن يكون المراد بالمكر فى قوله
الله أسرع مكرا
Неизвестная страница