Химиян Зад
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ قل إنما علمها عند الله } كرر لتكرير ذكر السؤال وللمبالغة، وقيل لأن العلم الأول علم وقت قيامها، والثانى علم حالها وشدائدها، ولذا عبر فيه بلفظ الجلالة لأنه أعظم الأسماء { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن علمها مختص بالله سبحانه، قاله الطبرى، وهو أولى من قول بعضهم لا يعلمون الحكمة فى إخفائها، إذ لا دليل على هذا.
[7.188]
{ قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا } أى جلب نفع ولا دفع ضر، بل أنا عبد ضعيف كسائر المماليك، وذلك انتفاء عما يختص بالربوبية من علم الغيب، كوقت الساعة، والقدرة على النفع والضر على الإطلاق { إلا ما شاء الله } أن أملكه وأقدر عليه من جلب أو نفع، فالاستثناء متصل باعتبار إنما سبق فى علم الله أنه يجلبه أو يدفعه بإلهام الله وتوفيقه قد ملكه، وإن أريد إلا ما شاء الله أن يكون فإنه يكون، أو إلا ما شاء الله من إلهام وتوفيق فالاستثناء منقطع. { ولو كنت أعلم الغيب } على الإطلاق، وإنما علمت بعضه فقط وهو ما أخبرنى الله به، فلا حاجة إلى قول بعضهم إنه قال ذلك قبل أن يطلعه الله على غيب، بل لا يصح { لاستكثرت من الخير } كالمال فآخذ منه الكفاف لنفسى، وأبثه فى المسلمين حتى أغنيهم عن غيرهم، وكالصحة فأجتنب أنا والمسلمون ما يزايلها، وكالثناء الحسن فأتوصل إلى أسبابه أنا والمسلمون تقوية للدين، فأجتنب كل ما يكون لعدوى مدخلا إلى تنقيصى، وكالرأى الحسن فلا أخطأ فى تدبير، وكالنصر والسلامة فأكون أبدا غالبا لأعدائى إذا أمرت بحربهم وغير ذلك، وكاغتنام المصالح الأخروية، فأعلم ما يضعفنى عنها أو يفوتها أو يفوت أعلاها فأجتنبه مثل أن يعلم أنه إن نام بعد العشاء فلا ينتبه إلا للفجر فيترك النوم ونحو ذلك. { وما مسنى السوء } عطف على جواب لو فهو مستقبل مثبت لنفى نفيه بلو، أى ولما مسنى السوء وهو فوات نفع دنيوى أحتاج إليه، أو أخروى ولحوق ضر دنيوى أو أخروى { إن أنا إلا نذير وبشير } تنازعا فى قوله { لقوم يؤمنون } ولغيرهم، ولكن اقتصر عليهم لأنهم المنتفعون بالنذارة والبشارة، وصح تسليط النذارة على المؤمنين، لأنهم يوعظون بها، يقول لهم إن فعلتم كذا عاقبكم الله بالنار، أو بكذا وكذا، وتسليط البشارة على غيرهم لأنهم يوعظون بها ترغيبا إن فعلتم كذا فلكم الجنة، وكذا وكذا، أو يقدر لنذير محذوف أى إلا نذير للكافرين، ويراد بقوم مؤمنون قوم يطلب منهم الإيمان، ويشمل من آمن ومن كفر، فتصرف النذارة لمن كفر، والبشارة لمن آمن، وكأنه قال لا أتجاوز النذارة والبشارة إلى ملك النفع والضر وعلم الغيب، بل أنا فى ذلك مثلكم. ويجوز أن يكون قوله { وما مسنى السوء } مستأنفا فيراد بالسوء الجنون بلغة هذيل كما فسر به قوله تعالى
إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء
كأنه قال ولست بمجنون، بل نذير بشير، وما فسرت به الآية من العموم هو ما ظهر لى، واستحسنه ولا يشكل عليه شئ منها. وروى عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص فتشتريه قبل أن يغلوا فتربح فيه ، وبالسنة المجدية فتعد لها من المخصبة، وبالأرض التى تجدب فترحل إلى أرض تخصب، فنزلت الآية، وليس المراد فى الآية فقط، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على الصحيح، ويحتمل أن يكون معنى { لاستكثرت من الخير } الأخروى متوصلا إليه بعلم الغيب لو علمته، لا من الدنيوى كما تقولون أنتم، وقال ابن جريج ومجاهد المراد بالنفع الهدى، وبالضر الضلالة، وبالغيب وقت الموت وبالخير العمل الصالح، فإنه كما يجتهد فى الصالحات لخفاء وقت الموت مخافة هجومه يجتهد لعلم وقته، لأنه يظهر ظهورا واضحا حينئذ أن كل وقت مضى فقد انتقص من الأجل، وهذا موجود فى خفائه، لكن ظهوره دون ذلك، وقيل لو كنت أعلم الغيب لأعلمتكم بوقت قيام الساعة حتى تؤمنوا فيكثر خيرى دنيا وأخرى بذلك، وما مسنى السوء وهو قولكم لو كنت نبيا لعلمت متى تقوم.
[7.189]
{ هو الذى خلقكم من نفس } ذات { واحدة } هى آدم، والخطاب لجميع الناس { وجعل } خلق { منها } أى من النفس الواحدة { زوجها } حواء الأم وخلقها من ضلعه القصير الأيسر، قيل أخرج الضلع فخلقت منها، وذلك فى الجنة، فانظر ما مر فى غير هذه السورة { ليسكن } أى النفس، وإنما ذكر ولم يؤنث فيما مضى نظرا إلى ما أريد به وهو آدم، وإنما نظر إلى هذا هنا ليتبين المراد بالنفس، فإن الذكر هو الذى يسكن إلى الأنثى ويقصدها للجماع ويعلوها، وأنها خلقت ليأنس بها، والتذكير أنسب بذلك أى ليطمئن { إليها } أى إلى الزوج وهو حواء، ويأنس بها فإن الجنس أميل إلى الجنس وآنس به، ولا سيما أنها بعض منه. { فلما تغشاها } علاها للجماع فى الدنيا، فلما أهبطا وألقيت الشهوة فى قلبه، والصحيح أنه كان يجامعها أيضا فى الجنة، فهذه كناية لطيفة عن الجماع { حملت حملا } مصدر باق على معناه أو بمعنى مفعول، أى محمولا وهو النطفة، وقرأ حماد بن سلمة حملا بكسر الحاء عن ابن كثير، ومعناه محمولا { خفيفا } لأن الولد أول ما يكون فى الرحم خفيفا ثم يثقل لكبره، أو المراد بخفته أنها لم تلق به ما تكره كما تلقى النساء من نتن يتصاعد، وفى بعض الأوجاع ونحو ذلك. { فمرت به } أى لم يمنعها عن التصرف بالقيام والقعود والمشى لخفته، ولو ثقل أو أصابها منه ما تكره لأعجزها أو أحزنها، فتلزم موضعها، أو المعنى استمرت به كما قرأ ابن عباس، وكما قرأ ابن مسعود، فاستمرت بحملها والاستمرار الدوام، أى لم تنقطع عنه، قيل وقت الميلاد بوقوعه، وقيل إن هذا قلب وإن الباء بمعنى فى، والأصل فاستمر بها، وقرأ يحيى بن عمير، وابن عباس فيما ذكر النقاش عنه فمرت به بالتخفيف وهو فعل من المرية، يقال مرى أى شك أى ظنت الحمل وارتابت به، وكانت لا تعرف ذلك، وقيل شكت أشئ فى بطنها أم مرض، وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص فمارت به أى جاءت وذهبت، يقال مارت الريح تمور أى جاءت و ذهبت. { فلما أثقلت } دخلت فى الثقل لكبره، كقولك أصبح أى دخل فى الصبح، وأشأم اى دخل فى الشام، أو صارت ذات ثقل كقولك ألبن الرجل وأتمر أى صار ذا لبن وتمر، وقيل حان وقت ثقلها بالحمل لكبره، كقولك أقربت هند إذا حان أن تكون قريبا، وقرئ بالبناء للمفعول أى أثقلها الحمل، أو أثقلها الله به { دعوا } أى النفس الواحدة وزوجها، وهما آدم وحواء { الله ربهما } الذى رباهما وملك أمرهما، فهو أحق بأن يدعواه ويلتجئا إليه. { لئن آتينا صالحا } بشرا سويا صالح الجسم مثلنا، لا حجرا وحمارا أو كلبا أو نحو ذلك مما ليس من جنسنا ذكرا أو أنثى، وقال الحسن لئن آتيتنا ذكرا لأن الذكورة من الصلاح والجودة، وهو مفعول ثان، وقال مكى إيتاء صالحا فهو مفعول مطلق { لنكونن من الشاكرين } لك على هذه النعمة المجددة، وضمير آتيتنا وضمير نكون لآدم وحواء، وقال جار الله لهما ولمن يتناسل من ذريتهما.
[7.190]
{ فلما آتاهما } أى آدم وحواء { صالحا } كما أرادا وكان ذكرا { جعلا } أى آدم وحواء { له } أى لله { شركاء } أى شركة { فيما آتاهما } متعلق بجعلا أو بشركاء، وفى ظرفية أو سببية، وقرأ أبى شركاء فيه، وكذا فى مصحفه، وهذه الشركة هى اتباعهما إبليس فى قوله سمياه عبد الحارث، وكان اسم إبليس فى الملائكة الحارث، أو هى إضافته للحارث لا إشراك فى العبادة، وسمى ذلك شركا بالنظر إلى اللغة إذ اتبعناه كما يتبعان أمر الله، وأضافاه للحارث كما تضاف الأشياء لله، وفى ذلك تلويح بعتابهما على ذلك، أو بالنظر إلى علو مرتبتهما، حتى يعد ذلك إشراكا مع أنه ليس بإشراك، ولا سيما أن آدم نبى، وإنما أراد بتسميته عبد الحارث أنه كان سبب حياته، وسلامة أمة الحارث والإضافة تكون لأدنى ملابسة. وقد قال يوسف فى العزيز { إنه ربى } وأراد إنه مربينى وكافلى لا معبودى، وتقول أنا عبد فلان تريد أنك تخدمه وتقوم بحقه، لا أنه معبودك فعوتبا على التسمية بما يوهم الشرك، وعلى النظر إلى السبب، وقد فسر أبو عبيدة الشرك هنا بالحظ والنصيب. روى أن حواء لما حملت أول حمل لم تدر ما هو كما قرئ فمرت به بتخفيف الراء فجزعت لذلك، فوجد إبليس لها سبيلا فقال لها حين أثقلت ما يدريك ما فى جوفك؟ لعله خنزير أو حية أو بهيمة أو كلب أو حمار، وروى أنه قال بها ما الذى فى بطنك؟ فقالت ما أدرى، قال إنى أخاف أن يكون بهيمة أو كلبا أو خنزيرا أترين فى الأرض إلا بهيمة أو نحوها، قالت إنى أخاف بعض ذلك، وكان فى صورة رجل لا تعرفه، فقال وما يدريك من أين يخرج؟ أينشق له بطنك فتموتى أو من فيك أو أنفك؟ ولكن إن أطعتينى وسميتيه عبد الحارث فسأخلصه لك، وأجعله بشرا مثلك، فان لم تفعلى قتلته لك. فأخبرت آدم فقال لها ذلك صاحبنا الذى أغوانا فى الجنة، لا نطيعه، وقيل قال لها ما يدريك ما هو؟ ومن أين يخرج؟ خافت وذكرت لآدم فلم ير إلا فى غم، ثم عاد إليها إبليس فقال لها إنى من الله بمنزلة، فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويا مثلك ويسهل خروجه فسميه عبد الحارث، فذكرت ذلك لآدم فقال لعل ذلك صاحبنا فلا تطيعيه، ولم يزل بها حتى سمياه عبد الحارث. وقال ابن عباس سمياه عبد الله فمات، وولد آخر فسمياه عبيد الله فمات، وولد آخر فسمياه عبد الرحمن فمات، فقال لهما إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث، فسميا الرابع عبد الحارث فعاش، وقيل قال لهما هذا بعد موت الثانى، فسميا الثالث عبد الحارث فعاش، وروى أن الله سلطه على أولادهما فيموتون، فقال ذلك.
وفى رواية عن ابن عباس أتى آدم حين ولد له أول ولد فقال أنصحك فى شأن ولدك هذا سمه عبد الحارث، فقال أعوذ بالله من طاعتك، أطعتك فى أكلى من الشجرة فأخرجتنى من الجنة، فلن أطيعك، فمات وولد له ثان فقال أطعنى وإلا مات كما مات الأول فعصاه فمات، فقال لا أزل أقتلهم حتى تسميه عبد الحارث، وروى أنه لما ولدت أول أول ولد وقد قال لها ما خوفها به مما مر قال لها ألا تسميه بى كما وعدتنى؟ قالت فما اسمك؟ قال اسمى الحارث، فسمته عبد الحارث، وذلك أنه جاءها لما كانت حاملا فقال لها يا حواء ما الذى فى بطنك؟ قلت لا أدرى، قال لعله بهيمة من هذه البهائم، قالت لا أدرى، فأعرض عنها حتى أثقلت فقال لها كيف تجدين نفسك يا حواء؟ قالت إنى أخاف أن يكون الذى خوفتنى ما أستطيع القيام إذا قعدت، قال أفرأيت إن دعوت الله فجعله إنسانا مثلك أو مثل آدم أتسميه بى؟ قالت نعم، وقالت لآدم إن الذى فى بطنى بهيمة، وإنى لا أجد له ثقلا. وروى أنه أتى آدم وقد مات له ولد اسمه عبد الله، فقال إن شئت أن يعيش لك الولد فسمه عبد شمس فسماه، وتم الكلام فى آدم وحواء واستأنفه فى مشركى مكة وغيرها بقوله { فتعالى الله عما يشركون } وهو حسن، وعليه الطبرى، لكن خصه بمشركى العرب وهو تحكم، وقيل هذا فيهما أيضا، وعبر عنهما بصيغة الجماعة مجازا أو لأن ألقها اثنان، وقيل الضمير لهما ولإبليس لا اشتراكهم فى التسمية بعبد الحارث، أو عبد شمس، وهما قولان مقبولان أيضا، وعلى هذا تم الكلام هنا، أو فى ينصرون عليهما، أو على إبليس. وقال الحسن، وعكرمة إن فى الكلام حذفا الأصل جعل أولادهما له شركاء فيما آتاهم فحذف المضاف وهو أولاد، فناب عنه المضاف إليه، فاعتبر المضاف إليه دون المضاف، فقيل فيما آتاهما لا فى ما آتاهم، وقد اعتبر المضاف فى { فتعالى الله عما يشركون } الخ أو الأصل جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما، فحذفنا مضافان، ولا يخفى إشراك بنى آدم غير الله فى العبادة وفى التسمية، وقد سموا عبد العزى، وعبد مناة، وعبد مناف، وعبد اللات، وغير ذلك، أو خوطب الأبوان آدم وحواء بفعل الأبناء، كما جاء العكس وأعنى بالخطاب نسبة إليهما أو نسب إليهما فعل الأولاد، لأنهما السبب فى وجودهم وفعلهم، ولا ضير عليهما فى هذه السببية. وفى رواية عن عكرمة أن الله سبحانه خاطب بقوله
Неизвестная страница