Химиян Зад
هميان الزاد إلى دار المعاد
" إن الله جميل يحب الجميل "
وقرأ ابن عباس، وأبو عمرو، وعاصم، ومجاهد فى رواية عنهم، وأبو عبد الرحمن، وأبو رجاء، وزيد بن على، وعلى بن الحسين، وقتادة ورياشا وهى قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال عثمان بن عفان، والمعنى واحد، وقيل الرياش جمع ريش كبير وبيار، وذئب وذئاب، وشعب وشعاب، وقيل الريش والرياش مصدران، يقال راشه الله بمعنى أنعم عليه، وقرأ أبى وزينة بدل وريشا. { ولباس التقوى } بالنصب عطفا فى قراءة نافع وابن عامر والكسائى، فيكون قوله { ذلك خير } مستأنفا وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة بالرفع فهو مبتدأ وذلك مبتدأ ثان، وخير خبره، والجملة خبر الأول، والرابط إعادة المبتدأ بمعناه، فإن الإشارة للباس التقوى، أجاز ابن هشام ذلك، وأجاز كون ذلك بدلا أو بيانا لا نعتا، لأن النعت عنده لا يكون أعرف من المنعوت، وأجازه الفارسى أيضا، فعلى البدلية والبيانية أو النعتية، فالخبر مفرد.
والذى يظهر لى أنه لا يصح كون المبتدأ نفس المبتدأ الأول، بل يجب كونه مغايرا له أو بعضه أو أعم، فتتعين التبعية فى الآية، إلا أن يجعل لباس خبر المحذوف، أى هو لباس التقوى، وذلك مبتدأ أو لباس، وخير خبر إن لذلك، وقرأ أبى ولبس التقوى، وفى مصحف ابن مسعود ولباس التقوى خير ذلكم من آيات الله، ويروى عنه خير ذلك من الخ، وكذا روى عن أبى، وقرأ بعضهم ولبوس التقوى بالرفع، وذلك فى قراءة نافع إشارة إلى ما ذكر من اللباس والريش، ولباس التقوى. والمراد بلباس التقوى الإسلام والعمل الصالح، وامتثال المأمورية به، واجتناب المنهى عنه، والورع، وخشية الله، وقال ابن جريج الإيمان، وقال معبد الجهنى الحياء وقال ابن عباس العمل الصالح، وعنه السمت الحسن فى الوجه، وقاله عثمان على المنبر، وعروة بن الزبير خشية الله، وابن الأنبارى ستر العورة، والحسن الورع والسمت الحسن فى الدنيا، وعن ابن عباس والكلبى العفة، وقيل الصوف وما فيه تواضع لله عز وجل، وقال زيد بن على السلاح وآلة الجهاد، وقيل ما يتقى به فى الحرب كالدرع والمغفر، ونسب لزيد بن على، والصحيح ما ذكرته أولا، وما كان من الأقوال بعده متضمنا له، وما أحسن قول بعضهم
إذا أنت لم تلبس ثيابا من التقى عريت وإن وارى القميص قميص
{ ذلك من آيات الله } الإشارة إلى اللباس، والريش ولباس التقوى، وقال النقاش إلى لباس التقوى، أى هو فى العبد أمارة من الله أنه رضى عنه ورحمه، وذلك على الرجاء بحسب المبلغ من المعرفة، وقيل إلى اللباس والريش بتأويل ما ذكر، أو إلى إنزالهما، وعلى هذا القول وما ذكرته قبل قول النقاش المراد أن ذلك دليل على رحمة الله وفضله على عباده وقدرته ووجوده ووحدانيته، وإشارة البعد فى الموضعين للتعظيم. { لعلهم يذكرون } فيعرفون عظم النعمة، ويتورعون عن القبائح، ومن أراد التوبة والطاعة فليلبس قميصا جديدا يوم الخميس والقمر فى الزيادة، ثم يصلى ركعتين شكرا لله على ما ألبسه، ثم يكتب { يا بنى آدم قد أنزلنا } إلى { يذكرون } فى إناء زجاج يمحوه بماء ورد، ويدهن به وجهه، ثم يكتب فى ذلك فى ورقة زيتون، ويجعلها فى جيب القميص، فإنه لا يلبسه أبدا إلا ويعان على الطاعة.
[7.27]
{ يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان } لا يضلكم عن طريق الهدى، أى احذروا أن يتأثر فيكم إغواءه ولا تبتغوه، فالنهى لهم ولو كان بحسب اللفظ للشيطان { كما أخرج أبويكم } أباكم آدم وأمكم حواء { من الجنة } أى كما فتنهما بإخراجهما منها، وأنتم أهون فى الإضلال منهما عنده، وأسهل فاحذروا، وقيل نزل ذلك فيمن يطوف بالبيت عريانا، قال بعضهم ذلك من عادة قريش، وعن الضحاك وقتادة من عادة قبيلة من اليمن، وإسناد الإخراج إلى إبليس، فجاز لتسلية فيه، والمخرج هو الله، وكذا إسناد النزع إليه فى قوله { ينزع عنهما لباسهما } وهذه الجملة حال من أبويكم، ومن ضمير أخرج، والمضارع للحال الماضية المنزلة بمنزلة الحال الحاضرة المشاهدة، تأكيدا فى تحذيرهم، وهى فى نفسها ماضية كأنه قيل أخرجهما نازعا لباسهما، ولا يخفى ما فى الآيات من الدلالة على فتح الكشف، وأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى، وأسند نزع اللباس عنهما إلى إبليس لعنه الله، وهو فعل لله تعالى، لأن سببه الأكل من الشجرة، وسبب الأكل وسوسته ومقاسمته إنى لكما لمن الناصحين. { ليريهما سوآتهما } الرؤية بصرية، وتعدت لاثنين بالهمزة، فإن يرى مضارع أرى، والمراد باللباس هنا ما مر، وقال مجاهد إن المراد هنا التقوى، وإن السوأة المعاصى { إنه يراكم هو وقبيله } أى جنوده وهم الجن والشياطين، والمفرد قبيلة، وهى الجماعة، وسميت لأن بعضها يقابل بعضا، وقيل هو مفرد، وعن الليث القبيل كل جيل من إنس أو جن، وقيل القبيل ثلاثة فصاعدا عن قوم شتى، والجمع قبل، والقبيلة بنواب واحد، وقيل القبيل المصنف، فكأنه قيل وصنفه الذى هو منه، وقيل القبيل النسل والولد، والهاء فى إنه لإبليس أو للشأن، والعطف على المستتر فى يراكم، وقرىء وقبيله بالنصب على الصيغة أو على تقدير وإن قبيله يرونكم. { من حيث لا ترونهم } وجملة إن وما بعدها تعليل للنهى وتحذير من فتنتهم، فإنهم أعداء كامنون يصعب الاحتراز عنهم، قال مالك بن دينار إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة، إلا من عصم الله، والذى يظهر أنه لا ترى الجن، لأن الله سبحانه أخفاهم عنا ولم يخلق فى عيوننا إدراكهم لا لرقة أجسادهم ولطافتها، أو عدم لون فيها كما قال بعضهم، وخلق فى أعينهم قوة يروننا بها ويرون بعضهم بعضا، ولو كان عدم رؤيتنا لهم للطافتهم ورقتهم كما قالت المعتزلة والسيوطى وقالوا إنهم إنما يروننا لكثافة أجسامنا، وزعم جار الله أن الجن لا يراهم أحد، ولا يظهرون للإنس، وإن ادعاء رؤيتهم زور ومخرفة، وكذا قال الشافعى فيما روى عنه، وروى أنه قال بتخريج مدعى رؤيتهم، وذلك تمسك بظاهر الآية. وزعم أنه كلما ورد فى رؤيتهم فإنما هو بالتخييل لا بالتحقيق وهو خطأ منه مشهور، قلده فيه أهل مذهبه وغيرهم، حتى بعض أهل مذهبنا ممن عاصرناه، وليس الشافعى بنبى ولا صحابى، وإنما هو رجل مثلنا، ولا حديث له على دعواه.
وأقول الحق جواز رؤيتهم، وأن ناسا رأوهم وزعم كثير أنهم لا يراهم أحد إلا تخييلا، روى الشيخ عمرو التدنى العلامة، عن عمر بن الخطاب موقوفا أن الجن لا يستطيعون أن يتحولوا عن صورهم التى خلقهم الله عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، وإذا رأيتم ذلك فأذنوا، والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الراوى فى حديث قبض أبى هريرة على الجنى وإمساكه إياه ما نصه وفيه أن الشيطان قد يراه الإنسان، وظاهر إطلاق الرؤية أنها على ظاهرها لا تخييلا، ولا شك أن سليمان عليه السلام يراهم عيانا لا تخييلا، وهو من بنى آدم، فإذا ثبت ذلك لم يمنع أن يراهم غيره كذلك، لأن البشرية تشملنا، وليس ذلك من خصوصية ملكه، لأن أهل زمانه الذين يجلسون معه يرونهم إذا جلسوا معهم، ولا ينافى ذلك ذلك الآية، لأن الآية على الغالب. وقد خالف الشافعى أصله إذ روى أنه جلس وهو غلام فى مجلس مالك، فاستفتى مالكا رجل أنى حلفت بالطلاق الثلاث أن هذا البلبل لا يهدأ من الصياح، فقال له مالك قد حنثت، فمضى الرجل فالتفت الشافعى إلى أصحاب مالك فقال إن هذه الفتيا خطأ، فأخبر مالك بذلك فقالوا لمالك إن هذا الغلام يزعم أن هذه الفتيا خطأ، فقال له مالك من أين قلت هذا؟ فقال له الشافعى أليس أنت الذى رويت لنا عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قصة فاطمة بنت قيس
" أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم إن أبا جهم ومعاوية خطبانى، فقال صلى الله عليه وسلم " أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له "
فهل كانت عصا أبى جهم أبدا على عاتقه، وإنما أراد من ذلك الأغلب. وإنما حملت رؤية أصحاب سليمان إياهم على الحقيقة كرؤيته، وكذا رؤية النبى محمد صلى الله عليه وسلم، ولم أجعل ذلك من خصوصيات ملك سليمان لكثرة أدلة الحمل على ظاهرها، كما روى
Неизвестная страница