Химиян Зад
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ ذلكم } أى ما ذكر من النهى عن الإشراك وقتل الأولاد وغيرهم، وقرب الفواحش، والأمر بالإحسان للوالدين { وصاكم به } أمركم به أمرا عظيما، التوصية أعظم من الأمر، لأنها أمر تضمن أمر محافظة، فإما أن يكون ما مر من الأمر والنهى وصية، ولا نعلم من مجرد اللفظ أنه وصية، فأخبرنا الله بهذا أنه أمرنا به توصية، وإما أن يكون غير وصية، ولكن إنشاء الإيصاء بقوله { وصاكم به } وإنما أن يكون سمى ما أكل به الكلام كله أيضا، لأنه أكله بذكر قل وتعالوا وأتل وحرم وربكم وعليكم، وأكد لا تشركوا به شيئا نكرة فى سياق النفى إذ لم تذكر معرفة وأحسنوا ب " إحسانا " وناب عنه، أو تحسنوا بإحسانا، وأكد { لا تقتلوا أولادكم من إملاق } بنحن نرزقكم وإياهم، والزجر عن الفواحش بلا تقربوا، وبما ظهر منها وما بطن، والزجر عن قتل النفس بقوله { حرم الله } إذ لو قيل يعدلون ولا تشركوا به، وأحسنوا بالوالدين، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، ولا تفحشوا ولا تقتلوا النفس إلا بالحق لكفى، ومعنى التوصية بما أمر به ونهى عنه التوصية بالمحافظة عليهما بفعل المأمور به، واجتناب المنهى عنه.
{ لعلكم تعقلون } لتفهموا ما فى ما وصاكم به من المصالح ودفع المضار، أو ليكمل عقلكم الغرزى بالاكتساب، أو لترشدوا وتخرجوا عن حد السفه أو لتتدبروا.
[6.152]
{ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن } إلا بالفعلة التى هى أحسن كالسعى فى حفظه جدا، وفى انمائه بتجر وسقى ونحو ذلك ، وإخراج الزكاة منه، حرم الله بهذا تضييعه وخيانته بأخذه أو أخذ بعضه، أو إعطاء بعضه فيما لا يجب فيه، ولا يعود نفعه عليه، ولكن لا يتصدق منه، وقيل يتصدق منه بقليل على اليتيم فيكون حفظا لماله، ونموا له، وفى الحديث
" اتجروا بمال اليتيم لا تأكله الزكاة "
وفسر مجاهد التى هى أحسن بالتجر فيه وفسره الضحاك بأن يسعى فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا إن كان غنيا، وإلا أكل بمعروف، وأحسن اسم تفضيل على بابه، أى أحسن ما يحفظ به المال وينمو، وأحسن مما يحفظون به أموالكم وتنموها به. { حتى يبلغ أشده } قوته بدنا وعقلا بأن يبلغ ويؤنس رشده، وهو مفرد كآنك أو جمع شدة كنعمة وأنعم بكسر أول المفرد أو جمع شد بكسره أيضا، والكل بمعنى القوة، فإذا بلغ أشده فأوصلوه يده. { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } بالعدل بأن لا ينقص الذى يعطى من ماله، ولا تتجاوز الذى يأخذ إلى زيادة بأن يطلب من يعطى أن يزيد، أو يزيد هو بأن يبيح له من عليه الحق أن يكيل أو يزن هو، والخطاب لمن يكيل ويزن، ومن يكال له ويزن له فبالقسط حال مؤسسة باعتبار الذى يأخذ، أى يقتصر على إيفاء الحق ممن عليه الحق له، لا يتعدى إلى زيادة، ومؤكدة باعتبار من عليه الحق، ولا مانع من مجئ الحال مؤكدة باعتبار، ومؤسسة باعتبار آخر، وإن جعلنا الخطاب لمن عليه الحق لأنه الذى يكيل ويزن أصالة فهى مؤكدة. { لا نكلف نفسا إلا وسعها } لما كان الكيل والوزن مما لا طاقة لأحد على الوقف على حدهما بلا زيادة ولا نقصان، كما ذكره الشيخ إسماعيل رحمه الله، قال تعالى لم ألزمكم فيهما إلا جهدكم إلى إلا ما تسعه طاقتكم، ولا تقدر على سواه من العدل، فالوسع ليس هنا ما تسعه طاقتك وتسع أكثر منه مما هو عدل، والحاصل أن المراد أقصى طاقتكم، وما وراء ذلك من زيادة من يكيل أو يزن من مقال غيره أو من نقص من يكيل أو يزن من ماله معفو عنه، كما ندب الذى له الحق أن ينقص قليلا حوطة، لأنه إذا استقصى فى حقه فقد تعرض للشر بأن يزيد، وندب الذى عليه الحق أن يزيد حوطة من غير أن يلزم من عليه الحق أن يزيد ما عسر عليه، أو من له الحق أن ينقص ما يعسر عليه، ثم إنه يجوز حمل قوله { لا نكلف نفسا إلا وسعها } على أن يعود إلى الايفاء بالكيل والوزن بالقسط، وإلى قوله { لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن } أو إلى ذلك وجميع التكاليف.
{ وإذا قلتم } تكلمتم فى القضاء بين الناس أو فى أداء الشهادة، أو فى الأمر والنهى، أو فى حكاية ما تحكون أو أداء الرسالة والتوسط بين الناس كالصلح ونحو ذلك { فاعدلوا } فى قولكم { ولو كان } المقول له، أو عليه { ذا قربى } فإن كان المقول له ذا قربى فلا تزد فى نفعه عما له، كما لا تنقص، وإن كان المقول عليه ذا قربى فلا تزد فى نفعه عما له، كما لا تنقص، وإن كان المقول عليه ذا قربى فلا يثبت له الحق، وليس له كما قال ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين. { وبعهد الله أوفوا } أوفوا بما عهد إليكم أى بما أنهى إليكم وأعلمكم بوجوبه أو حرمته من الأحكام الشرعية، ومنه هذا العدل المذكور، وقيل المراد بالعهد النذر والوعد الذى يجب الوفاء به. { ذلكم } أى ما ذكر من النهى عن قرب مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن، وإيفاء الكيل والميزان بالقسط والعدل فى القول، ولو فى ذى قربى، والإيفاء بعهد الله { وصاكم به } الكلام فيه كالكلام فى الذى قبله، ولا يخفى التأكيد بلا تقربوا و ب " بالقسط " وبلو كان ذا قربى، وبعهد الله، فإن العهد مما يوثق به فى معنى التوصية به الأمر بالمحافظة عليه. { لعلكم تتذكرون } لتتعظون فتأخذوا بذلك، وقرأ حمزة والكسائى وحفص تذكرون بتاء واحدة، وإسكان الذال وضم الكاف، حيث وقع فى القرآن بالتاء، والباقون فى جمع القرآن بالتشديد للدال.
[6.153]
{ وأن هذا صراطى مستقيما } لا عوج فيه، ويوصل للجنة ، والباء لله أو لرسوله، فإن صراطه صراط الله، والإشارة إلى ما ذكر فى السورة من أولها إلى هذه الآية من التوحيد والنبوة، وبيان الشريعة، أو إلى ما ذكر فيها كلها من ذلك لجواز الإشارة إلى مستقبل ولو وحده، فكيف مع ماض، أو إلى ما ذكر من قوله { ألا تشركوا } إلى هذه الآية، ومستقيما حال من الخبر، نصبها المبتدأ وصحت له، لأنه اسم إشارة، وقرأ حمزة والكسائى بكسر إن على أن الواو للحال أو للعطف على { ذلك وصاكم به } أو على المجزوم الأول أو الأخير، وصح الكسر باعتبار ما فى التأويل أو التحريم من القول. وقرأ ابن عامر ويعقوب بالفتح والتخفف، واسمها ضمير الشأن على هذه القراءة، وقرأ الباقون بالفتح والتشديد، ووجه الفتح مع التشديد والتخفيف والعطف على معمول أتل أى أتل ما حرم، وأن هذا، أو على تقدير لام التعليل المتعلقة باتبعوه بعده على أن الفاء فيه صلة للتأكيد، وقرأ ابن عامر صراطى بفتح الياء، وقرأ الأعمش وهذا صراطى، وقرأ ابن مسعود كما فى مصحفه وهذا صراط ربكم، وقرئ وهذا صراط ربك. { فاتبعوه } اعملوا به { ولا تتبعوا السبل } الأديان ظاهرة المختلفة والطرق التابعة للهوى، فالأديان المختلفة أديان المشركين وأهل البدع فى الدين، وكذا فى الفروع إذا كانت فى الفروع مذاهب ظاهرة البطلان، متعمق فيها، وأما الطرق التابعة للهوى فهى ما لم يدينوا به، لكن اتبعوه تشهيا. { فتفرق بكم } أى تتفرق بكم، أى تميل بكم هذه السبل، والنصب فى جواب النهى، وإحدى التاءين محذوفة، والباء للتعدية أى فتفرقكم. { عن سبيله } صراطه المستقيم المؤيد بالوحى والبرهان، وهو سبيل واحد، لأن مقتضى الحجة واحد، وأما ما كان من ديانة، بل حجة صحيحة أو من تشبه فمتعدد لاختلاف العادات والطبائع، ولذلك قال { ولا تتبعوا السبل } جمع سبيل، قال ابن مسعود رضى الله عنه إن الله سبحانه جعل طريقه طريقا مستقيما، طرفه محمد صلى الله عليه وسلم، وشرعه ونهايته الجنة، وتشعب منه طرق، فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار، وقال
" خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال " هذا سبيل الله " ثم حفظ عن يمين ذلك وعن شماله خطوطا وقال " هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، واقرءوا { وإن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } "
Неизвестная страница