Химиян Зад
هميان الزاد إلى دار المعاد
وحمل السكاكى فى المفتاح هذه القراءة على حذف المضاف إليه من الأول، وحذف المضاف من الثانى، أى قتلهم أولادهم قتل شركائهم، وقيل الثانى بدل من الأول، وقرئ بالبناء للمفعول وجر أولاد على الإضافة، ورفع قتل على النيابة عن الفاعل، ورفع شركاء على أنه فاعل لزين مقدرا مبنيا للفاعل كأنه قيل من زينه لهم فقيل شركاؤهم وبسطت الكلام على مثل هذا فى النحو، ويأتى فى سورة النور إن شاء الله الرحمن الرحيم. { ليردوهم } ليهلكوهم بالإغواء، واللام متعلق بزين كما تعلق به لكثير، وإنما صح تعلق جر فى جر بفعل واحد بلا تبعية معنييهما، لأن لام لكثير للتعدية، ولام ليردوهم للتعليل، وإذا جاء ما اتفق معناه من ذلك فاجعل الثانى قيدا للفعل وللأول ومدخوله لا للفعل وحده، وإنما تكون الثانية للتعليل إذ قيل المزين الله بالخذلان أو الشيطان بالوسوسة، وإن كان المزين السدنة، أو الكهان فهى لام الصيرورة لأنه ليس غرضهم الإرداء ولبس دينهم، ولا مانع من لبس الله دينه عليهم بمعنى خذلانهم لا غير باختيارهم، وقد بين لهم ولم يقبلوا. { وليلبسوا عليهم دينهم } أى ليخلطوا عليهم دين الله الواجب عليهم الذى يجب أن يكون دينا لهم بغيره وهو دين الضلال، أو ليخالطوا عليهم دينهم الذى كانوا عليه وهو دين إسماعيل عليه السلام، وهو دين إبراهيم عليه السلام بغيره من الضلال، وبهذا الوجه يقول ابن عباس رضى الله عنهما وقال ليدخلوا عليهم الشك فى دينهم. { ولو شاء الله } أن لا يفعلوه { ما فعلوه } أى ما فعلوا ما ذكر من قتل الأولاد، وجعل النصيب للأصنام وإقرار ما وصل إليه من نصيب الله، ولكن شاء فعله ففعلوه، ومن زعم أنه لا يشاء المعصية زعم أن المعنى لو شاء إجبارهم عن المعصية لم يفعلوها بأن يجبرهم عنها، والواو للمشركين من العرب، أو لشركائهم المزينين لهم، ففى هذا الوجه يكون ما فعلوه هو القتل، فترجع الهاء للقتل، ويجوز عود الواو للمشركين وشركائهم فيشمل الهاء القتل فى جنبهم وجنب الشركاء، وشمل جعل النصيب وإقرار ما لله فى نصيب الأصنام فى جنب المشركين.
{ فذرهم وما يفترون } لتركهم وافتراءهم فما مصدرية، أو ذرهم والكذب الذى يفترونه، أى يوقعونه فهى اسم موصول، والآية تهديد لهم وعذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن قد بلغ، ومن زعم أنه بمعنى لا تقاتلهم قال نسخ بالسيف.
[6.138]
{ وقالوا هذه أنعام وحرث } إشارة إلى الأنعام والحرث التى جعلوها نصيبا لشركائهم { حجر } بمعنى محجورة عمن يأكلها، محرمة كالذبح بكسر الذال بمعنى المذبوح، يستوى فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والتثنية والجمع، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وقرأ الحسن وقتادة بضم الحاء والمعنى واحد، وعن ابن عباس حرج بكسر الحاء المهملة وتقديم الراء على الجيم ساكنة، أى ضيقة على من يأكلها، أى محرمة، وأصله حرج بفتح الحاء وكسر الراء نقلت كسرتها للحاء فكانت ساكنة. { لا يطعمها } لا يأكلها { إلا من نشاء } خبر ثالث، والثانى حجر، والأول أنعام وحرث، وإنما أفاد بالثانى والثالث { بزعمهم } يتعلق بقالوا أى قالوا ذلك بمجرد اعتقادهم الباطل الذى لا دليل له من الله فيه، أو بزعمهم أن الله عز وجل أمرهم بذلك { وأنعام حرمت ظهورها } عطف على أنعام، وحرمت ظهورها نعت لأنعام، والمراد الحامى والبحيرة والوصيلة عند من يجعل الوصيلة من الإبل والسائبة، ومر بيانهن فى سورة المائدة، وأنهم يحرمون ركوبها والحمل عليها، وقال مجاهد فى قوله تعالى { هذه أنعام } هى الحامى والبحيرة والوصيلة والسائبة لا تؤكل، وقال فى قوله تعالى { وأنعام حرمت ظهورها } أنها هذه الأربعة أيضا، وصفها الله عنهم بأنها محرمة الأكل وأنها محرمة الظهر، وما ذكرته أولا أحق. قال أبو عمر وعثمان بن خليفة البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكرا نحروه وأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها أى شقوها، وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء. والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك فلا يحبس عن رعى ولا ماء ولا يركبه أحد. والوصيلة من الغنم كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكرا ذبح، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت فى الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها، وكان لحمها حراما على النساء، ولبن الأنثى حراما على النساء إلا أن يموت منها شئ فيأكله الرجال والنساء. والحامى الفحل إذا ركب ولد ولده، ويقال إذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ وماء. { وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها } معطوف على أنعام الأول، وجملة لا يذكرون اسم الله عليها نعته، ويجوز أن يكون أنعام مبتدأ، وحرمت ظهورها خبر، وأنعام مبتدأ ولا يذكرون خبره، والمسوغ التنويع، والمراد أنعام يذبحوها ولا يذكرون اسم الله عليها، بل أسماء آلهتهم إذ يذبحونها لها، وقال قوم كانت لهم سنة فى الأنعام ما أن لا يحجوا عليها فكانت تركب فى كل وجه إلا فى الحج، ولعلها أنعام يعينونها لأصنامهم، ولزم من الحج على الإبل ذكر الله عليها بنحو التلبية فنفى الحج عنها بنفى لازمه وهو الذكر لله عز وجل، وقيل لا يركبونها للعمل خير، وجرت العادة بذكر الله جل وعلا على فعل الخير، فنفى فعل الخير عنها بنفى لازمه وهو ذكر الله تعالى، وعن الحسن أنعام لا يذكرون اسم الله عليها وهو ما استحلوه من الميتة ونحوها.
{ افتراء عليه } مفعول مطلق ناصبه قالوا، لأن قولهم افتراء أى كذبا لأن المعنى قالوا على الله هذه أنعام، وعليه متعلق بقالوا أو بمحذوف نعت لافتراء، وإن قلنا افتراء مفعول لأجله أو حال أى مفترين، أو ذوى افتراء، أو هم أنفسهم افتراء بطريق المبالغة، أو فعلية متعلق به أو بمحذوف نعت لافتراء، ويجوز تعليقه بافتراء محذوفا ناصبا لافتراء على المفعولية المطلقة. { سنجزيهم بما كانوا يفترون } سيعاقبهم بالنار بسبب ما كانوا يفترونه، أو بسبب كونهم يفترون، أو سيعوضهم النار بدل ما كانوا يفترونه، أو بدل كونهم يفترون.
[6.139]
{ وقالوا ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا } ما واقعة على الأجنة التى فى البطون عند الفراء، ولذلك جاء الخبر مؤنثا وهو خالصة، ولذكورنا متعلق، وذلك من الحمل على المعنى، وحمل بعد ذلك على اللفظ فى قوله ومحرم، ومثل هذا مرجوح، والراجح العكس بالنسبة إليه، وإنما قلت بالنسبة لأن الراجح مطلقا اعتبار اللفظ أولا وآخرا، وقد يجاب بأنه ليست التاء فى خالصة للتأنيث، بل للمبالغة كرجل رواية أى كثير الرواية للشعر أو للنسب أو غيره، يقولون فلان راوية الشعر، أو هو مصدر، وبه قال الكلبى، والمصدر إذا أخبر به أطلق بما فيه من تذكير ولو على مؤنث ، أو من لفظ تأنيث ولو على مذكر من المصادر التى بوزن فاعل، كما قيل فى عاقبة وعافية، فإذا كان مصدرا أول هنا باسم فاعل مذكر أى خالص، إذ لا يخبر بالحدث عن الجنة، أو بتقدير مضاف لذلك أيضا، أى ذو خالصة أى ذو خلوص، أو بالكون على طريق المبالغة، كان ما فى بطون هذه الأنعام نفس الخلوص لذكورهم. وقرأ ابن مسعود كما رسم فى مصحفه خالص بالرفع وإسقاط التاء وهو ظاهر لا خفاء فيه، وقرئ خالصا بالنصب وإسقاط التاء، فيكون لذكورنا خبر، وخالصا حال من المستكن فى قوله { فى بطون } لا حال من المستكن فى لذكورنا، لأنه ليس فى لذكورنا لفظ الفعل، فلا يتقدم حاله عليه، وقيل بجواز ذلك، وأجازه ابن مالك قليلا، ولا حال من ذكور، لأن الحال لا تتقدم على صاحبها المجرور بحرف غير زائد، وقيل بالجواز، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى خلوصا، فيكون مفعولا مطلقا مؤكدا أى خلص خلوصا، وقرأ ابن عباس خالصه بضم الصاد بعده هاء الضمير بلا نقطة ولا تنوين، فيكون خالصه بدلا ومضافا إليه، والمبدل منه ما أو مبتدأ ثان ومضاف إليه، والخبر لذكورنا، ومعنى خالصة فى هذا القراءة حية أى ما كان حيا مما فى بطون هذه الأنعام، والمراد بالأنعام عند ابن عباس وقتادة والشعبى السائبة والصيلة والبحيرة، وقيل ما لأصنامهم مطلقا، يعنون أن أجنتها حلال لذكور بنى آدم إن ولدت حية ثم ماتت أو ذبحت، ومحرم على أزواجنا أى على الإناث، لأن الإناث صالحة لأن تكون أزواجا، فالمراد تحريمه على الإناث كن أزواجا أولا فتأول بعموم المجاز على الجمع بينه وبين الحقيقة، وذلك إن ولد حيا ثم مات أو ذبح. ودل على اشتراط الحياة قوله تعالى { وإن يكن ميتة } أى وإن يكن ما فى بطونها ميتة حين خروجه { فهم } أى ذكورنا وأزواجنا فيه شركاء فيه متعلق بشركاء، وإنما أنث خبر يكن مع أن اسمه مذكر معتبر فيه لفظ ما، لأن ميتة يطلق على المذكر والمؤنث، وهذه قراءة الجمهور، وعليها عاصم فى رواية حفص عنه، وروى أبو بكر عن عاصم تكن ميتة بالتاء الفوقية برد الضمير المستتر فى تكن إلى ما باعتبار وقوع ما على الأجنة، وميتة بالنصب فى ذلك كله خبرا ليكون، وقرأ ابن كثير، وابن عامر بالفوقية، ورفع ميتة فذلك فعل وفاعل، ولا خبر ليكون، أى وإن حصلت ميتة مما فى بطونها، والميتة ولو وقعت على مذكر ويجوز تأنيثها، فلوقوع ميتة صالحا لمذكر أو مؤنث اعتبر التذكير لأنه الأصل، فقال { فهم فيه } ولم يقل فيها، ولو فى قراءة من قرأ تكن بالفوقية، ونصب ميتة أو رفعه.
وأما أن نجعل خالصة فى قراءتى التذكير بمعنى لبن خالص فيتعطل بقوله { وإن يكن ميتة } فيتكلف له أن المعنى إنما فى بطونها من اللبن حلال الذكور فقط، وأن ما فيها من الجنين إن ولد ميتا فهم شركاء فيه، والأخص به الذكور أيضا، فيعود ضمير يكن لما بالاعتبار أنه لبن، بل إنه جنين، وهذا استخدام، أو يختص هذا التفسير بقراءة رفع ميتة. { سيجزيهم وصفهم } سيجزيهم بوصفهم بالنار، أى بجزاء وصفهم، أو سيجزيهم جزاء وصفهم، والمراد وصفهم ما يفعلونه من تلك الجهالات، لأنه من الله كما فى
لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام
{ إنه حكيم } فى صنعه ومنه عقابه العصاة { عليم } بكل شئ فيجازى عليه، ومنه تحليلهم ما لم يحل الله، وتحريم ما لم يحرم الله.
Неизвестная страница