.
ما لك وسعت أحداقك واصفر وجهك؟ إن ما لمح في فكرك صحيح، الأدب العربي خلو من التأرجح؛ إذ إن البدوي بطبيعة بيئته - كان ولا يزال - واضح المرمى، فهو يقصد بئرا يرتوي منها، أو عدوا يقاتله، أو مرعى يشبع منه مواشيه، فليس التردد والدوران والتأرجح مما ينسجم وطبيعة البادية، رومل كان يخاف الهجوم من الجو والبحر، «الشمال» والشرق، والجنوب، ثم جاءه الأميركان من الغرب، أما أخونا البدوي فهدفه وعدوه وحبيبه وطلله، كلهم في نقاط معينة.
وفقدان التأرجح ليس هو في الأدب العربي فقط، بل هو ملحوظ كذلك في التفكير العربي، صاح بي صديق أميركي بعد جدال ساعة في قضية فلسطين: «عجبا لعقولكم أيها العرب، ألا تبصرون من الألوان إلا الأسود والأبيض؟ أليس عندكم فجر رمادي اللون يذوب فيه الليل والنهار؟»
بلى، لقد ثاب إليك وعيك، فذكرت أن التأرجح على أروعه هو في سورة يوسف من القرآن الكريم، وهو كذلك هنالك مقتضب في بعض نوادر العرب، أما فيما عدا ذلك، فدلني عليه في العربية!
وما نحن في بحث اجتماعي لنتبسط في هذا الموضوع، بل يكفي أن نذكر أن وضوح المرمى، ومعرفة الدرب إليه، ليسا من العناصر الدراماتية.
كل ما أريد أن أزعم - يا حضرة المخرج - أن بين يديك في «حفنة ريح» التأرجح في أكمل أشكاله، من اللحظة التي يرتفع بها الستار، إلى «كعك سخن»، ولم يقتصر التأرجح على الكلام الملفوظ، بل إنك لتراه صامتا في المشاهد الصامتة حين يفحص «حيمور» الجواهر عليه أن يتأرجح بالنظارة، فيوهمها أنه اكتشف حلاه، ثم يتردد، ثم يعجب بالحلي، ويظهر جهله لمصدرها، ثم ينفعل ... ثم ... كل هذا بتغيير سحنة أو قلب شفة، أو ... ما أنا بمخرج هذه الرواية لأعرف كيف يكون الإبداع في تمثيلها، كذلك بين «نو سنيور» و«سي سنيور» دنيا للتأرجح فسيحة.
تقي الدين الصلح والكعب بن الحميد الطهنشاوي
الأستاذ الكعب ليس هو بالشخصية الجديدة، لقد خلقته منذ 23 سنة لتقي الدين الصلح الذي أوحاه في رواية سخيفة ألفتها اسمها «قضي الأمر»، لقد نجت تلك المسرحية من عار الخيبة بسبب تمثيل تقي الدين الصلح، كاد الضحك والتصفيق يهدمان حيطان القاعة كلما ظهر الأستاذ، لئن اجتمعت بتقي الدين الصلح فليشرح لك دور «الكعب»، ولقد أبحت لنفسي أن أسرق من إنتاج صباي عبارة يجوز أن يقال: «فلقتني» إنما الأصح أن يقال: «فججتني»، هذه العبارة رعد لها التصفيق منذ 23 سنة، وأعتقد أنه سيرعد، وإن لم تصح هذه النبوءة فما الذنب ذنبي ولا ذنب تقي الدين الصلح ولا ذنب شمدص جهجاه!
رأسي أعريه
إني أرفع برنيطتي بيميني، وأضعها إلى قلبي، وأنحني إلى الأرض، برغم ضخامة وسطي أمام الفتيات اللواتي مثلن أدوار النساء في «نخب العدو» وإني مسر إليك أنني توقعت هذا الأمر لسبب بسيط هو أنني بنيت الأدوار النسائية بحيث لا تأنف امرأة شريفة أن تمثل أحدها، لا قبلات، ولا عناق، ولا اشتباك أكف، وقد كنت أسائل نفسي، وأنا أؤلف «نخب العدو»: هل أرضى أن تمثل هذا الدور زوجتي أو ابنتي؟ وكنت أسمع الجواب: «نعم»! فلا عجب أن مثلت أدوار تلك الرواية فتيات هن من «بنات العائلات»، ترى أهذه هي المرة الوحيدة التي ظهرت بها الفتاة العربية والفتى العربي على المسرح في مسرحية؟ أنت تعلم أنني أعني من الفتيات ابنة العائلة، لا تلك التي أمها عزباء وأبوها مجهول محل الإقامة، وأني ولوع بلفظة «وحيد»، حتى لقد أوصيت أن ينقش على قبري «هذا ضريح الرجل الوحيد الذي أعجب بسعيد تقي الدين.»
Неизвестная страница